حوار مع فاطمة الهولي - الداعية الإسلامية في كولومبيامقالات

موقع قصة الإسلام

المصدر: موقع قصة الإسلام، 27/ 4/ 2011م.

 

الدعوة إلى الله مهمة الرسل والأنبياء، وهم أشرف الخلق وأكرمهم على الله، وهم الذين اختارهم الله لهداية البشر، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وقيامهم بالدعوة أعظم تشريف لهم؛ لذا فهي فضل من الله على الداعية، ومسؤولية..

"فاطمة الهولي" امرأة عربية مسلمة، حملت المسئولية، تعمل على نشر الإسلام في كولومبيا بين المسلمين كتعاليم، وبين غيرهم كدين، ولأول مرة مع موقع عربي، تحدثت فاطمة الهولي إلينا؛ لتنقل حال الإسلام والمسلمين في كولومبيا، وأهم العقبات التي تواجههم، وما هو دورهم في نشر الإسلام؟ وما هو مركز القرطبي ودوره؟ كل هذا وموضوعات أخرى في الحوار التالي.

* كيف بدأت رحلتك مع الدعوة للإسلام في كولومبيا؟ بل كيف وصلت إلى كولومبيا نفسها؟

- تجربتي في كولومبيا هي من أغرب التجارب التي مررتُ بها، ولم أفكر في حياتي أنني يومًا ما سأكون في دولة من دول أمريكا الجنوبية التي كنا ندرسها في المدرسة، ولم ندرسها بتعمُّق، والذي كنت أسمعه عن كولومبيا هو فقط المخدرات والعصابات، ولم أسمع أي شيء إيجابي أبدًا، وبعد زواجي من مسلم كولومبي، عرض عليَّ زوجي الذهاب إلى كولومبيا؛ حيث شرح لي وضع المسلمين السيئ، فحزنت لذلك، وأحببت أن أعرف أكثر عنها، وعندما وصلت وجدتها من أجمل البلاد التي خلقها الله تعالى، ووجدت الكثير من الكولومبيين أناسًا بسطاء، فأُسرت بسحر طبيعتها وبطيبة أناسها، وبدأت معهم بتعلم الإسبانية وهي الأخرى أسرتني؛ لأنها تضم بعض الكلمات العربية.

ينقص المجتمع الكولومبي الدين الإسلامي؛ فالجالية صغيرة جدًّا مقارنة بالتعداد السكاني، وينقصها الكثير من العلوم الإسلامية والعربية، وعلى سبيل المثال وجدت الكثير من الأخوات لا يعرفن كيف يصلين، وقد أسلمن منذ سنوات! والنصارى ليست لديهم أي معلومات عن الدين الإسلامي، وإنْ عرفوا فهي معلومات خاطئة ولا تمتُّ للإسلام بصلة، فجاءت فكرة إنشاء مركز يعرِّف بالإسلام ويقدم الدروس الإسلامية ويضم الكثير من المسلمين، بحيث يجدون الجو الإسلامي العائلي لهم، ويدعو النصارى وغيرهم إلى دين الحق، وتعززت هذه الفكرة بعد أن كوَّنا مجموعة صغيرة جدًّا من المسلمين من العرب والكولومبيين المهتمين بحال ومستقبل الإسلام في كولومبيا، والذين نحسبهم على خير ولا نزكيهم على الله.

* من أين بدأت فكرة تأسيس مركز "القرطبي"؟ وما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها؟

- بدأت الفكرة عندما درسنا أنا وزوجي حال المسلمين بعد ستة أشهر من وصولنا إلى كولومبيا، حيث تكلمنا مع الكثير من الإخوة والأخوات، وقمنا بزيارة المصليَيْن في العاصمة بوجوتا، ووجدنا أنهما في بعض الأحيان مغلقين وقت الصلاة، وإذا فُتحا فإنهم لا يُقدمان الدروس الدينية، ولا يتابعان المسلمين الجدد، ولا يوجد شيخ واحد في العاصمة، وقد أخبرنني الكثير من الأخوات بأنهن يحتجن أن يتعلمن أسس الدين؛ لأنهن أسلمن ولم يتعلمن أي شيء بعد إسلامهن. لذا فقد قررنا تأسيس مركز إسلامي، وبعد سنة من المناقشات مع مجموعتنا قررنا أن نفتح "مركز القرطبي للدراسات الإسلامية"، كما أن بين مجموعتنا كان هناك أحد طلاب العلم الشرعي، فاعتبرناه شيخنا، وبدأنا.

يسعى مركز القرطبي لبناء ودعم جالية إسلامية على أسس أهل السنة والجماعة، من حيث تعليم المسلمين العقيدة، التجويد، الحديث، الفقه، الشريعة، السيرة، وإعطاء دروس في اللغة العربية، الخط العربي، وتعليم كل ما هو نافع لديننا الحنيف، كما يسعى لترجمة الكتب الدينية من العربية إلى الإسبانية، وتوعية الأفراد عن الحقائق الموجودة في كولومبيا بعيدًا عن التأثير الإعلامي، ونشر الدعوة الإسلامية لأكثر من سبعة ملايين نسمة في العاصمة بوغوتا، وفي المستقبل القريب الدعوة للقارة كلها بإذن الله.

* كمسلمة.. كيف تصفين المجتمع الكولومبي؟ وهل هناك إقبال على الدخول في الإسلام من قِبل الكولومبيين؟

- بالرغم من أنّ الكولومبيين أناس طيبون، لكن يسود المجتمع الكولومبي التفكك الأسري والانحراف بأنواعه، كأي مجتمع غربي، والكثير من الأفراد يعملون بجِدٍّ لتأمين لقمة عيشهم. أيضًا يوجد منهم المتعلم والجاهل، وعلى الرغم من كل الصعوبات التي تواجه المجتمع الكولومبي، إلا أنّ هناك إقبالاً على الإسلام، الكثير منهم بعد أن يسمع عن الإسلام يبدأ بالقراءة عنه لمعرفه المزيد، أو زيارة المركز والتحدث إلينا، والذي اكتشفناه من تجربتنا القصيرة في الدعوة في كولومبيا، هو أنّ ما يجذب الكولومبيون في الشارع إلى السؤال عن الإسلام أو البحث عنه، هو مظهر المسلم في الشارع، حيث إنهم يلتفتون ويتأثرون بما يرون، فإذا رأوا مسلمًا بثيابه الإسلامية وبزييه السُّنِّي وسواكه؛ فإنَّ ذلك يدعوهم إلى التساؤل، أو إذا رأوا مسلمة بحجابها يبدأن بالتحدث معها عن الحجاب، وبالتالي عن الإسلام.

هناك إقبال كبير على الإسلام من قبل الكولومبيين، وأذكر أنّنا في السنة الماضية كنا نشهد في كل أسبوع على التوالي لمدة أشهر إسلام واحد، وأحيانًا شهادتين، فلله الحمد والمنة.

* كمسلمة تعيش وسط مجتمع كهذا، ما هي أهم المشاكل التي تواجهك في المجتمع الكولومبي؟ وهل هناك تقبل لحجاب المسلمة في أوساط المجتمع؟

- بصراحة عندما وصلت إلى كولومبيا لم أرتح من نظرات الناس الكثيرة في الشارع، ولكن بعد فترة اعتدت على ذلك، وبمساعدة زوجي ولأنّه يفهم مجتمعه أكثر مني؛ فقال لي: استغلي ذلك بالابتسامة إلى النساء والأطفال، وألقي عليهم تحيتهم، فهذا نوع من الدعوة للغير. ووجدت ذلك فعالاً جدًّا، وأذكر أني حصل لي موقف، أنَّ امرأة كانت تعمل في أحد المجمعات التجارية في بوغوتا، ورأتني وابتسمت لها، فتقدمت للسؤال عن حجابي وأخبرتها بأنّني مسلمة، فقالت: وما ذلك؟! فقلت لها: هو ديني. فقالت: هل عندكم الإنجيل أيضًا؟ فقلت لها: لا، بل عندنا كتابنا وهو القرآن الكريم. فقالت: أنا لم أسمع قط عن كتاب اسمه القرآن الكريم. وأيضًا الرجال الكولومبيون يغشى عليهم الاحترام عندما يرون امرأة بلباسها الشرعي، وخصوصًا أنّ المجتمع الكولومبي منتشر فيه العري كسائر المجتمعات الغربية.

* كم يقدر عدد الكولومبيين المسلمين؟ وهل هم من النساء أكثر أم من الرجال؟

- يبلغ عددهم حوالي 10.000 (عشرة آلاف) مسلم في كولومبيا، منهم العرب المهاجرون، أما عن النوع الأكثر فهم النساء، وهذه نتيجة منطقية؛ لأن عدد النساء عالميًّا أكثر من عدد الرجال، وعدد المهتديات أكثر من عدد المهتدين.

* المرأة الكولومبية التي تدخل الإسلام كيف تواجه ذلك مع عائلتها وزوجها، إن كانت متزوجة؟ وبعد ذلك على أطفالها، وهل تتم محاربتها إذا ما دخلت الإسلام في أوساط العمل أو الجامعة؟

- في الحقيقة إنّ معظم النساء اللائي يدخلن الإسلام يواجهن صعوبات كثيرة في مواجهة أسرهن النصرانية؛ فالعازبات منهن يواجهن ضغوطًا من أسرهن لترك الإسلام أو يتقبلن حقيقة إسلامهن، وبعضهن يُجبرن على ترك أسرهن؛ وذلك لصعوبة الأمر.

أما المتزوجات فقد رأيت الكثير منهن قد تُركن، أو طُلِّقن من أزواجهن النصارى، وقد أخذن معهن أطفالهن لتربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة، وفي هذه الحالة قد تواجه أولئك النساء مصاعب الحياة، وخصوصًا أنهن يردن التفرغ لتربية أولادهن التربية الإسلامية، وأيضًا العمل لكسب لقمة العيش لها ولأطفالها. وقد صادفت حالتين من الأخوات اللاتي قد خاضتا قضايا كثيرة مع آباء أطفالهن لكسب الحضانة.

أما بالنسبة للعمل بالحجاب فهناك جهات تقبل، وجهات لا تقبل الحجاب، ولكن في كثير من الأحيان يكون الأمر فيه بعض من الصعوبة.

* "مركز القرطبي" بعد فترة من التأسيس.. هل حقق بعضًا من أهدافه؟

- نعم، وبعون الله استطعنا دعوة الكثير من الناس إلى الإسلام، والكثير منهم قد أشهر إسلامه، والآن هناك بعض من مشاريع الترجمة التي تدرس، وقد بدأ فيها بعض الإخوة، قد نأخذ بعضًا من الوقت لإصدار الترجمات؛ وذلك لغياب الدعم لهؤلاء المترجمين. وأيضًا استطعنا افتتاح الدروس الإسلامية منها خلق وشخصية المرأة في الإسلام، الاقتصاد الإسلامي في القرآن، العقيدة، فقه السيرة، واللغة العربية، وفقه العبادات، وأمراض القلوب. وهذه على المستوى المبتدئ البسيط؛ ليسهل على المسلمين الجدد التعلم والفهم السريع. وأيضًا نحن الآن بصدد التحضير لإقامة زاوية في معرض الكتاب الدولي في بوغوتا.

* تنقلت بين الأرياف والقرى الكولومبية لنشر دعوة الإسلام، صفي لنا شعورك وأنت تقومين بهذه المهمة الجليلة؟

- أشكر الله على هذه الفرص الكريمة. لقد سافرت تقريبًا إلى أربع قرى أو أكثر، ومعظم هذه القرى تكون في وسط الأرياف؛ حيث من المستحيل أن تجدوا مسلمين، وبادئ الأمر كنت أسافر للتأمل والتدبر؛ لأن جمال الطبيعة هنا بصراحة لا يُوصف، فلاحظتُ ونحن في كل طريق بين القرى أنهم يضعون تمثال العذراء داخل بيت صغير، أو أحيانًا يكون تمثالاً كبيرًا؛ وذلك لاعتقادهم بأنّ ذلك يحمي الطريق ويقي من الحوادث. فبدأت بالتفكير بأن أي لحظة أعيشها في كولومبيا سواء في العاصمة أو في تنقلي بين الأرياف يجب أن تكرس للدعوة في سبيل الله؛ فهناك أناس في الأرياف لم يسمعوا عن الإسلام، وعندما نخبرهم عن الإسلام، يختلط عليهم الأمر بين اليهود والمسلمين.

* أنت كامرأة خليجية أقدمت على العيش في ذلك المجتمع الغريب والبعيد، بعد سنوات من تجربتك في نشر الإسلام هناك، ما هي أهم تجاربك المستخلصة؟

- لن أقول بأنني صاحبة علم كبير في الدين الإسلامي؛ لأنّني ما زلت أتعلم هذا الدين الحنيف، وأيضًا خبرتي في الدعوة قصيرة تحتاج إلى ممارسة وتعلم أكثر، وتفهم المجتمعات الأخرى والمنسيَّة مثل مجتمعات دول أمريكا الجنوبية، إلا أنّ خبرتي القصيرة في الدعوة من أحسن وأروع التجارب التي خضتها، وأحسست أنّني أقدِّم شيئًا للإسلام، ولو كان قليلاً. وقد ساعدت الكثير من الكولومبيين على فهم الإسلام واعتناقه، وتعلمت أنْ أكسر الحاجز بيني وبين النساء في الشارع -مثلاً- لدعوتهم إلى الإسلام، وذلك على عكس المجتمع الخليجي الذي عُشت فيه.

* بالتأكيد هذا النشاط الطيب يحتاج لدعم كبير، فمن أين تأتون به؟

- في البداية تلقينا دعمًا من بعض الإخوة لتأجير مكان، أقمنا عليه "مركز القرطبي للدراسات الإسلامية"، إلا أنّ الاستمرار بعد ذلك يحتاج إلى دعم كبير؛ لذلك فإنّ الترجمات -التي نعمل عليها لنقل الكتب الإسلامية من العربية والإنجليزية إلى الإسبانية- تأخذ وقتًا، وذلك لغياب الدعم للمترجمين.

لذلك فإنّنا نُرحب بأيّ شكل من أشكال الدعم، سواء كان معنويًّا أو ماديًّا، فنحن دائمًا بحاجة للتبرعات لكافة مشاريعنا، وبحاجة للدعم المادي للدعاة. وأدعو الجميع بأن يزوروا مدونتنا الرسميّة باللغة العربية، والتي تحتوي على أخبارنا، تحت عنوان "لجنة مسلمي كولومبيا"، و"موقعنا باللغة الإسبانية"، حيث إننا لم نستطع ترجمته لأسباب مادية أيضًا.

* كلمة توجهها فاطمة الهولي لبنات الإسلام، وما هو دورهن في الدعوة إلى الإسلام؟ سواء في المجتمعات العربية أم في غيرها؟

- أود أولاً أنّ أشكركم على اهتمامكم بأحوال الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأدعو بنات الإسلام إلى أن يهتموا بعلمهن الشرعي أكثر، وأن يثبتن تحت التأثيرات الخارجية الغريبة التي تُصيب مجتمعاتنا الإسلامية، وأن يقتدين بأمهات المؤمنين كمثل أعلى، وبخلق الإسلام؛ فذلك يعكس صورة طيبة عن المسلمين، ويجذب الكثير من النصرانيات إلى اعتناق الإسلام؛ فالإسلام دين عظيم.

وأقول أيضًا: إنّ الدعوة واجبة على كل مسلم، وليست الدعوة بكلمات فقط بل بالمعاملة؛ فالدين المعاملة، وأكرم وأرقى مثال على ذلك هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يدعو الكفار إلى دين الحق، وليعلمن أن الكثير من النصرانيات يتأثرن بمظهر المسلمة الملتزمة؛ فقد رأيت هذا بعيني، ويمكنكن الدعوة إمَّا في بلادكن، أو عن طريق العمل التطوعي أو عند سفركن.