حوار مع د. آبرتو خوليو أنانا - مدير المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة الكولومبية بوجوتامقالات

موقع الألوكة

لا يُخفي د. آبرتو خوليو أنانا - مدير المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة الكولومبية بوجوتا - قلقَه الشديد من تصاعد أعداد المرتدِّين عن الإسلام في صفوف مسلمي كولومبيا؛ وذلك بفعل توسُّع المسلمين في الزواج من كاثوليكيات، وهو ما يحمل تأثيراتٍ مدمرةً على هُويَّتهم، وكذلك هُويَّة أبنائهم.

ولفت أنانا إلى أن المسلمين في كولومبيا يتعرضون لموجة ذَوَبان شديدة في المجتمع الكولومبي، وهو ما يَفرِضُ على المؤسسات الإسلامية هناك التنبهَ لهذا الخطر؛ عبرَ إيجاد نوافذ وروافد تَربِطُهم بدينهم الحنيف، وهو ما يتطلب وجودَ دعم عربيٍّ وإسلامي لهذه الجهود، لا سيَّما أن أيَّ تأخُّرٍ في دعم مسيرة الدعوة الإسلامية في كولومبيا يَحمِلُ عواقبَ وخيمةً على المسلمين هناك.

وأوضَحَ أن تقديم الدعم للمدارس الإسلامية الموجودة في كولومبيا أمر شديدُ الأهمية؛ لافتقاد هذه المدارس القدرةَ على تدريس مبادئ الإسلام باللغة الإسبانية، وكذلك النقص الحاد في المراجع، وهو ما يشير إلى أهمية دعم المؤسسات الإسلامية لهذا الجهد الذي يُبقي وَشائجَ الصلة بين أبناء الجالية المسلمة ودينهم.

أوضاع مسلمي كولومبيا نسْرُدُها في الحوار التالي مع مدير المركز الثقافي الإسلامي في العاصمة بوجوتا:

حدِّثنا عن كيفية وصول الإسلام إلى كولومبيا؟

• وصول الإسلام لكولومبيا لا يختلِف كثيرًا عن أساليب وصوله إلى معظم دول أمريكا اللاتينية، أغلبهم كان من العبيد الذين جُلِبوا من غرب إفريقيا، وقد كانت البرازيل المحطة الأولى لهؤلاء المهاجرين، الذين تعرَّضوا لصعوبات شديدة أَجبَرت بعضهم على التخلِّي عن دينه، وبعدها انتشروا في عديد من الدول اللاتينية، ومنها كولومبيا؛ اعتقادًا منهم بأن القيود عليهم قد تَقِلُّ، وهو ما عرَّضهم لصدمة كبيرة، ورغم هذه الأجواء السلبية إلا أنها لم تمنع وجود اهتمام من الكولومبيين بالإسلام، بل وتجاوز ذلك إلى الإعجاب بحضارته، لدرجة أن بعضهم تحدَّث العربية بطلاقة، غير أن هذا الأمر ظل سريًّا حتى ضَعُفت قبضة الكنيسة على السكان بعد استقلال كولومبيا عن إسبانيا في منتصف القرن قبل الماضي.

 

هذا عن الموجة الأولى، فماذا عن الموجة الثانية لهجرة المسلمين لكولومبيا؟

• خلال النصف الثاني من القرن العشرين جاءت بعض الهجرات العربية إلى كولومبيا، كان معظم المهاجرين من بلاد الشام، وازدادت الهجرات العربية بعد الحرب العالمية، حيث قدَّر البعض أعدادَهم بما يقرب من 50 ألف، يشكلون ما يقرب من 1% من سكان كولومبيا، وأغلب هؤلاء المهاجرين كانوا من منطقة الشام، لا سيما من سوريا ولبنان وفلسطين، وكذلك هجرات من بنجلاديش وباكستان والهند.

ويعيش أغلب مسلمي كولومبيا في العاصمة بوجوتا وفي مدن برانكليا، وكالي، ومايكو، وسان أندريس، ويعمل أغلبُ المسلمين في التجارة كباعةٍ متجوِّلين، وكانت حالتهم المالية سيئةً إلى أن استطاعوا تحسين هذه الأوضاع بفضل ارتفاع دخولهم في السنوات الأخيرة.

 

لكن هل يكفي ارتفاع الدخول لنفي وجود تحديات، أم أن المشكلات على الأصعدة الاجتماعية أكثر تعقيدًا؟

• الأغلبية العظمى من المسلمين يواجهون صعوبات شديدة في تحقيق مستوى دخل مناسب يوفِّر لهم الاحتياجات الأساسية، بل إن الكثير منهم سعيًا للوصول للأراضي الأمريكية أُجبِرَ على الزواج من كولومبيات كاثوليكيات كشرط لدخول أمريكا، وهو ما يعرِّضهم لخطر الذَّوَبان في هذا المجتمع، بل وتحولهم إلى مواطنين كولومبيين عقيدةً وهُويةً، لدرجة أن أغلبهم لم يَعُدْ يؤدي الصلاة أو يعرف ولو قدرًا ضئيلاً عن مبادئ الإسلام.

 

في ظل الحديث عن مخاطر ذوبان المسلمين في المجتمع الكولومبي، فهل لكم أن تحدِّثونا عن مظاهره؟

• من أهم المظاهر خطورةً على هُوية المسلمين، لا سيما فيما يتعلق بالشباب والصبية: ارتباطُهم بأمهاتهن اللائي يعتنقْنَ المسيحية، وكذلك قيامُهم بزيارة الكنائس والمشاركة في الاحتفالات الدينية المسيحية، ولا يمكننا بالطبع تجاهلُ مخاطر غياب مؤسسات التعليم الإسلامي، وكذلك ندرة الدعاة والكتب الإسلامية، وهو ما يُرسخ نوعًا من الجهل بتعاليم الإسلام، لا سيما أن العَلاقات بين مسلمي كولومبيا والعالم الإسلامي ضعيفة للغاية، وتقتصر على قيام هذه الدول بإيفاد دعاة ومقيمي شعائر خلال شهر رمضان، إلا أن هذا الأمر على أهميته لا يُغْنِي ولا يسمن من جوع في ظل ما يتردَّد عن وجود تهديدات حقيقية للإسلام في كولومبيا، تتمثَّل في ارتداد المئات من المسلمين خلال السنوات الماضية واعتناقهم المسيحية، وهو ما يشكل إعلانًا صريحًا بإمكانية غروب شمس الإسلام عن كولومبيا، لو استمرت الأوضاع الحالية على نفس الوتيرة، وظل التجاهُل العربي والإسلامي على حاله.

 

ننتقل من مشكلة إلى أخرى بل وأكثر خطورة في ظل تسرُّب تقارير عن تصاعد مخاطر ظاهرة الردة في أوساط مسلمي كولومبيا؟

• نعم، مخاطر الردة أصبحت شديدةً، لا سيما أن زواج المهاجرين المسلمين من كولومبيات، واهتمامهم الأول بتحقيق معدلات دخْلٍ عالية: جعلهم يتجاهلون خطورة هذا الأمر على أبنائهم، إلا أن هذا ليس الخطر الوحيد؛ فهناك منظمات تنصيرية تعمل بقوة داخل الأراضي الكولومبية، وفي أغلب المدن التي يوجد فيها مسلمون، وتحاول هذه المنظمات الاستفادة من هذا الواقع لتنفيذ أجندتها، مستفيدةً من سعي بعض المسلمين للاندماج في المجتمع الكولومبي بشكل سلبي، دون وضع الحفاظ على هويتهم رهن اعتبارهم، وهو ما يجعل الخطر محدقًا.

 

مفاجآت:

في ظل علاقاتك بالعديد من أبناء الجالية المسلمة، كيف كان تعاطيهم مع الدِّين عقيدةً وشريعة؟

• رغم الظروف الصعبة وتأثير هذه الظروف على مسيرة الدعوة الإسلامية بشكل خلَق حالة انفصام بين مسلمي كولومبيا ودينهم الحنيف، وكذلك سيطرة سلوكيات غير إسلامية على حياتهم، فإن المفاجأة أن الكثير منهم حرَص على الاستماع إليَّ والصلاةِ جماعةً خلف الدعاة القادمين من العالم الإسلامي في رمضان، رغم أن هذا السلوك كان غريبًا عليهم بشدة، لدرجة أنهم يعتبرون أنهم حققوا حلمًا بعيدَ المنال حينما استمعوا لصوت المؤذن يصدع بقول الحق: الله أكبر.

وهو ما يشير إلى أن هناك تربةً خصبة للإسلام في هذا البلد البعيد لو أُحسِن التعامل معها، ووُجد أُطُر للتعاون تُعرقِل محاولة إبعاد هؤلاء المسلمين عن دينهم.

 

نقص كوادر:

هل هناك مؤسسات إسلامية يمكن فتح النوافذ معها؟

• بالفعل هناك مراكز إسلامية منذ عام 1993م، حيث أسست المركز الثقافي الإسلامي بعد اعتناق الإسلام؛ ليكون حلقة وصل بين المسلمين في كولومبيا ودينهم، ثم تلا هذا الأمرَ إنشاءُ عدد كبير من المراكز والمساجد، تضاف إلى أقدم مسجد في كولومبيا وهو مسجد إستانبول، ومسجد عمر بن الخطاب في مدينة مايكو، ومسجد الجمعية الخيرية الإسلامية في ترانكيا وفروعه في مدن بيدوبار ومباكو.

 

هذا فيما يتعلق بالمراكز الثقافية، فماذا عن المدارس؟

• بالإضافة إلى هذه المساجد هناك العديد من المدارس الإسلامية، التي تقوم بتدريس مبادئ الإسلام باللغة الإسبانية، إلا أن هذه المدارس تواجه مشكلة تتمثل في عدم وجود إقبال كبير عليها؛ نتيجةَ حرص الأمهات على إلحاق أبنائِهن بمدارس كاثوليكيَّة، وكذلك تفتقد هذه المدارس لكتب ومؤلفات تتحدث عن الإسلام باللغة الإسبانية، وهو ما يشكل عائقًا أمام قيام هذه المدارس بدورها في تخريج نشءٍ يحترم المبادئ الإسلامية.

 

العم سام:

تجاوَزت أعداد المسلمين في فترة من الفترات 100 ألف نسمة، إلا أن هذا العدد قد تراجَعَ إلى ما دون النصف؟

• تُعَدُّ الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية من أهم أسباب تراجُع أعداد الجالية المسلمة في كولومبيا، وهو أمر مرشَّح للاستمرار خلال السنوات القادمة، فمثلاً مدينة مثل مايكا، كانت أعداد المسلمين بها تتجاوز 7 آلاف، غير أن تطورات عديدةً خفَّضت هذا العدد إلى ما دون الألف.

 

تسربت تقارير عن تورط عديد من مسلمي كولومبيا في تجارة المخدرات، وهو ما ساعد على إنجاح محاولات تشويه صورة المسلمين؟

• لا أُحبِّذ أن أطلق اتهامات على علَّتها، فرغم تورط بعض المسلمين في هذه التجارة المحرَّمة، فإن هذا الأمر لا يجب تعميمُه، لا سيما أن جهاتٍ معاديةً للمسلمين تستغل هذه الشائعات لتشويه صورتهم، وإفشال محاولات اندماجهم في المجتمع الكولومبي، غير أن هناك أمرًا أُحب أن أشير إليه، وهو: أن انتشار تجارة المخدرات في كولومبيا قد سَدَّد ضربةً قاصمةً لعديد من المناطق والمدن، ومنها مدن تحتضن أعدادًا كبيرة من المسلمين؛ حيث توقفت خطط التنمية، وأصبح الفقر والبطالة من معالم هذه المناطق.

 

على ذكر الاندماج في المجتمع، فهل لمست وجود علاقات جيدة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى؟

• تَجْمَعُ المسلمين وباقي أفراد الشعب الكولومبي عَلاقاتٌ جيدة، حيث يعيشون في سلام ووئام معهم، وتقيم المراكز الإسلامية احتفالات مشتركةً مع نظيرتها الكاثوليكية، فضلاً عن تصاعد وزن عديد من العرب والمسلمين في النخبة السياسية الكولومبية، لدرجة أن الكثير منهم قد وصل إلى مناصب سياسية واقتصادية، وكذلك يوجد ضباط كبار في الجيش الكولومبي من أصول عربية وإسلامية، غير أن ارتقاءهم في هذه المناصب قد انعكس بالسلب على هُويتهم الإسلامية.

 

اهتمام ودعم:

في رأيك ماذا يحتاج مسلمو كولومبيا من العالم الإسلامي؟

• لا يوجد أدنى اهتمام من العالم الإسلامي بشؤون مسلمي كولومبيا! وهو أمر قد يكون له عواقبُ وخيمة على هُويَّة المسلمين هناك، وهو ما يتطلب فتح النوافذ مع المسلمين هناك؛ عبر إمدادهم بالكتب والمصاحف المترجمة للإسبانية، ودعم مسيرة الدعوة هناك، وإيفاد أعداد كبيرة من الدعاة والأئمة بشكل دائم وليس موسميًّا - كما يحدث في شهر رمضان - ودعم المدارس الإسلامية عبر كوادر تجيد العربيةَ والإسبانية، فضلاً عن ضرورة إنشاء قناة فضائية إسلامية بالإسبانية، أو تخصيص عدة ساعات في قنوات عربية باللغة الإسبانية تعمل على ربط أبناء كولومبيا المسلمين بدينهم، وتوصل رسالة لهم مفادها: أن هناك أبناء من بني جلدتهم يهتمون بهم، وهو ما سيكون له تأثيرات إيجابية في مسيرة الدعوة الإسلامية هناك.

0 شخص قام بالإعجاب


شاهد أيضاً