لمحات يسيرة من تاريخ غرب إفريقيا: النيجر أنموذجاًمقالات

مجلة البيان

المصدر: مجلة البيان 24 أكتوبر 2010م.

 

إنَّ التقسيمات الحالية لإفريقيا سواء كانت جغرافية، كقولنا: إفريقيا وراء الصحراء أو إفريقيا الجنوبية أو الغربية أو الشرقية، أم كانت ثقافية: كإفريقيا الفرانكفونية والإنجلوفونية والإيطالية والبرتغالية؛ إنما هي تقسيمات حادثة في مجملها وتعود إلى ظاهرة الاستعمار في القرن التاسع عشر الميلادي، وربما يصِحُّ نسبياً أن الذي يجمع بين شعوب إفريقيا كلِّها عامل جغرافي و ثقافي غير سياسي.

أطلق العرب اسم (إفريقيا) على ساحل الشمال الإفريقي من مصر إلى مراكش (المغرب) (بلاد البيضان)، وجنوب ذلك يسمى: «بلاد السودان» والتي اشتُق منها حديثاً مصطلح: الحزام السوداني وما ورد في تقسيماته: من بلاد التكرور وبلاد الهوسا والنوبة والحبشة، وفي تعريف السلطان محمد بلو - من سلاطين تمبكتو في القرن التاسع عشر الميلادي - للسودان: (القصد تاريخ هذا القطر كله من بلد فور إلى بلد فوت)؛ أي: فوتا تور في السنغال وما وراءها، وفور تعني: دارفور الحالية، ومعظم أسماء الدول الإفريقية الحديثة، نَحْتٌ أوروبي؛ فالإسبان أول من أطلق اسم نيجيريا على هذا القطر، يقول الشيخ الألوري عن نيجيريا: (معناها ما حول النيجر وهو اسم مستمَد من نيغرو؛ أي: الزنجي الأسود، وأول من أطلق اسمها على هذه البلاد هم الإسبان، وتبعهم سائر الإفرنج).

 وبناءً على ذلك؛ فإن الكلام يدور على الإقليم الذي يضم: السنغال، ومالي والنيجر، ونيجيريا، وتشاد، وبِنِين وتوغو، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وما جاورهم انتهاءً بالسودان. ارتبط دخول الإسلام إلى هذه المنطقة، بالهجرة الأولى لإفريقيا؛ حيث هاجر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة، ومكث بعضهم فيها زهاء ثلاث عشرة سنة (من السنة الخامسة للبعثة حتى السنة السابعة من الهجرة) ومن أبرز من أسلموا يومئذٍ النجاشي ملك الحبشة «أصحمة» وبعض رجال الحكم هناك، كما جرى فتح مصر فيما بعد بقيادة عمرو بن العاص في 19ه/641م، وتلا ذلك (عهد البقط) مع النوبة في شمال السودان الحالي 31ه/ 651م، كما حدثت تغريبة الصحابي عقبة بن نافع الذي ساق الجيش الإسلامي غرباً مارّاً بفزَّان والقيروان منتهياً إلى المغرب الأقصى؛ حيث المحيط الأطلسي في عام 51هـ. وارتبطت شمال إفريقيا بالخلافة الإسلامية وبقوة الدولة الإسلامية المركزية، على الأخص في العهد الأموي، ثم برزت فيها ممالك إسلامية على درجة من الاستقلالية: كالإدريسية والفاطمية والمرابطية والموحدين والحفصية... وبرزت في شمال إفريقيا حركة علمية قوية جامعة بين الحركة العلمية في الأندلس، والحركة العلمية في المشرق، ومثَّلت ذلك مدرسة الحركة العلمية الإسلامية في منطقة السودان الغربي.

ومن العجيب أن إسهامات الحركة العلمية الإسلامية في السودان الغربي أقوى من نظيرتها في السودان الشرقي، علماً بأن السودان الشرقي - أي: منطقة القرن الإفريقي والسودان الحالي - جزء من إقليم البحر الأحمر وثقافة البحر الأحمر، وفضاء من فضاءات مصر والحجاز واليمن، ولكن تكشف الوثائق والمخطوطات الموجودة في غرب إفريقيا في خزائن الأفراد والجامعات والدُّور الإسلامية - على الأخص وثائق متحف أحمد بابا في تنبكتو في جمهورية مالي - عن قوة هذه الحركة العلمية وذلك ربما كان لأسباب، منها:

 - ارتباط الحركة العلمية في السودان الغربي بالحركة العلمية في المغرب العربي منذ فترة مبكرة، وهجرة عدد من العلماء المغاربة وإقامتُهم في السودان الغربي، بالإضافة إلى أن العلماء والدعاة الذين هاجروا من المشرق أو المغرب للسودان الغربي ذهبوا فيما يشبه الهجرة المصيرية؛ بمعنى التوطن في السودان الغربي، على خلاف السودان الشرقي؛ حيث كانت الهجرات إليه هجرات مؤقتة طلباً لتجارةٍ أو ملاذٍ آمنٍ، أو لجوءٍ سياسيٍّ، وما إن تنتفي أسباب الهجرة حتى يعود المهاجرون إلى الحجاز أو مصر أو اليمن؛ لقرب المسافة واستمرارية التواصل.

 - كانت توجد في الحبشة والنوبة كنائس محلية في إطار إدارة أهلية؛ ولذلك اعتبرت هذه المناطق عموماً دار أهل كتاب، كما أن المسلمين لم يغزوا أرض النوبة، واكتفوا بتوقيع عهد صلحٍ يسمى: عهد البقط، وأصبحت بذلك النوبة - شمال السودان الحالي - دار عهد وذمة، ولم تتحول إلى إدارة إسلامية إلا في القرن الرابع عشر، ثم إن الهجرات العربية التي جاءت لهذه المنطقة، كانت هجرات بدو جاؤوا طلباً للرعي وهرباً من الجفاف الذي ضرب الحجاز، ولم يُعرَف للبدو اهتمام بعلم أو كتابة، ولكن من الغريب أن اللغة العربية في بعض أنحاء السودان الشرقي أصبحت لغةَ الحياة والخطابة، إلا أنه لم يظاهر ذلك حركة علمية؛ بينما في السودان الغربي (غرب إفريقيا) لم تنتشر اللغة العربية كلغة حياة؛ وإن أصبحت لغةَ الصفوة والحركة العلمية كتابة ونطقاً، كما كُتِبَت لغات السودان الغربي: كالفولاني والهاوسا والزرما، بالحرف القرآني بينما لم يحصل هذا الأمر بالنسبة للغات السودان الشرقي باستثناء الساحلية، وسنتحدث في هذا المقال عن النيجر أنموذجاً.

موقع النيجر الجغرافي وتركيبته الاجتماعية:

 أ - موقع النيجر الجغرافي: تُمثِّل جمهورية النيجر قنطرة الصحراء الكبرى بين شمالها وجنوبها وتقع في وسط غرب إفريقيا. وقد نالت سيادتها واستقلالها سنة 1960م كبقية دول المنطقة التي كان يُطلَق عليها: إفريقيا الغربية الفرنسية، وكانت تشمل بالإضافة إلى النيجر الدول الآتية: السنغال، ومالي، وموريتانيا، وغينيا، وساحل العاج، وفولتا العليا (بوركينا فاسو)، وداهومي (بنين)، وتوغو (المستعمرة الألمانية التي انضمت إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى).  ثم انضمت إلى الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية التي صارت «الاتحاد الإفريقي» فيما بعد، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وانضمت كذلك إلى أهم المنظمات الإقليمية والدولية.  فدولة النيجر واحدة من دول غرب إفريقيا في منطقة الساحل والصحراء ويحدُّها شرقاً: تشاد، وشمال شرق: ليبيا، وشمالاً: الجزائر، وغرباً: مالي، وجنوب غرب: بوركينا فاسو، وجنوباً: بنين ونيجيريا. وتبلغ مساحتها 1,267,000 كم2. ويرجع اسم النيجر للنهر العظيم الذي يمر بالمنطقة الغربية من البلاد على مسافة: 550 كم، والنيجر دولة حبيسة ومغلقة (صندوقية)؛ لا تطل على بحر. عاصمتها: نيامي، وأهم مدنها بعد العاصمة: زندر، ومرادي، وأغاديز، وطاوه، ودوسو، وديفا، وتلابيري. وفي النظام اللامركزي الجديد تُعَدُّ هذه المدن عواصم للأقاليم.  ويتقاسم النيجر بصورة غير متكافئة فصلان مناخيان يتَّحدان بفضل التوازن الموسمي لمنطقة ما بين المدارين: الفصل الأول: الجاف، ويتميز في مجموعه بهيمنة الرياح الآتية من الصحراء (رياح الشرق والشمال الشرقي)، ويسمى هذا الفصل ب (الحرور) وهو الأطول؛ حيث يمتد من أكتوبر إلى مايو، وهو ذاته ينقسم إلى: فصلٍ باردٍ (من نوفمبر إلى فبراير)، وفصل حارٍّ (من مارس إلى مايو). الفصل الثاني: الرطوبة: وهو فصل قصير (من يونيو إلى سبتمبر). والملاحظ أن هطول الأمطار ضعيف في النيجر بصفة عامة.

 ب - التركيبة الاجتماعية للنيجر: يتكون شعب النيجر من عدد من القبائل الرئيسة تتمثل في الهوسا، والسنغاي، والزرما، والفلاته، والطوارق، والعرب، والتوبو، والكانوري، والغورمانتشي. ويلاحَظ أن النيجر تتميز عن غيرها من الدول الإفريقية من حيث قلة عدد قبائلها؛ إذ إنها لا تتجاوز ثماني قبائل رئيسة كما ذكرنا، ويعتبر هذا العدد قليلاً مقارنة بقبائل الدول الإفريقية الأخرى التي تعد فيها القبائل بأضعاف هذا العدد. كما تتميز القبائل النيجرية بسمة أخرى، هي الإسلام الذي يُعَدُّ عنصرَ توحيد ورَبْطِ هذه القبائل ببعضها. فقد تعايشت قبائل النيجر باختلاف أعراقها وأعرافها وتنوُّع لغاتها وثقافاتها منذ أمد بعيد في وئام وسلام وتناسق؛ بفضل الله - تعالى - أولاً، ثم بفضل هذا الدين الحنيف، الذي تدين به الغالبية العظمى الساحقة من سكان النيجر.والمعروف أن من أهم أهداف الإسلام جَمْع شمل المؤمنين به وتقوية الروابط الأخوية بينهم كأمة واحدة. وقد صهر الإسلام هذه القبائل في بوتقة واحدة؛ حتى لكأنها قطعة واحدة، ونرى مظاهر هذا الانصهار فيما وجدناه من انسجام وإخاء بين هذه القبائل. وقلَّما نجد قبيلة من قبائل النيجر إلا وهي تصاهر الأخرى وتُمازِجها؛ كما بين الطوارق والسنغاي، والفلاته، وموري، وبري بري، وبين الزرما والسنغاي، وموغوبري… إلخ. وكذلك فيما هو ملموس حقيقة من وجود ثقافة إسلامية مشتركة تنفصل عمَّا لدى هذه القبائل من ثقافات تخص كل قبيلة منها. ولا عجب إذن إذا لم يوجد في النيجر ما يوجد في بعض دول القارة من الصراعات والحروب القبلية الممقوتة والعرقية البغيضة القاتلة.

 اللغات واللهجات الوطنية:

 هذا، ولكل قبيلة من قبائل النيجر لغتها ولهجتها الخاصة بها، وكل واحدة من لغاتها مستخدمة في الدول المجاورة مثل: (لغة الهوسا، ولغة الزرما، ولغة الفلاته، ولغة التماشيك، ولغة السنغاي، واللغة العربية... وغيرها)، وهي لغات الدول السبع التي تحد النيجر. وعلى الرغم من وجود بعض اللغات المكتوبة كلغة التماشيك التي تُكْتَب بالتيفيناغ (أمازيغية)، فقد ظلت الثقافة الشفهية هي المهيمنة على المنطقة التي تقع فيها النيجر؛ مثلما كان الأمر بالنسبة للجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام. فقد كانت الأغاني والأشعار والخطابات والأمثال والروايات الخرافية والتاريخية هي ما يشكِّل مجال الأدب، وكانت التربية كلها، وكذلك كل عمليات نقل المواقف والمعارف كانت تجري عن طريق التعبير المنطوق، لكن الإسلام أدخل إلى المنطقة معطىً جديداً، هو الكتابة؛ لأن الإسلام يأمر بالقراءة والكتابة؛ ولذلك فإنه منذ القرنين: الأول والثاني الهجريين بدأت الكتابة تنتشر في منطقة الساحل والصحراء. وتُكتَب هذه اللغات اليوم بالحروف اللاتينية باستثناء العربية طبعاً، وكانت هذه الحروف تُكتَب قبل التدخل الاستعماري الغربي بالحروف العربية، وما زالت الكتابة بالحروف العربية تكوِّن اليوم - خاصة في المناطق القروية والبادية - عماد العلاقات عن طريق التراسل. واللغة العربية منذ دخل الإسلام إلى هذه المنطقة، هي لغة الآداب والعلوم والدبلوماسية، وكانت لغةَ كبار العلماء، علَّموها وألَّفوا بها كتباً قيمة في المجالات العلمية والأدبية المختلفة التي ازدهرت في حضارة الإسلام قروناً عدَّة. فلما جاء الاستعمار الغربي صرف اللغة العربية عن المجال الإداري، والسياسي، والثقافي. وليضيِّق عليها أكثر، أدخل كثيراً من الأولاد في مدارسه، وحصر اللغة العربية في مجال الأغراض الدينية. ورغم ما قام به الاستعمار الغربي من أعمال يقصد بها القضاء على القرآن ولغته؛ فقد طُوِّر بعد الاستقلال التعليم الإسلامي المتمثل بالمدارس القرآنية والعربية، والعربية الفرنسية، ولم يتوقف المسلمون في النيجر في يوم من الأيام عن إدخال أولادهم مدارس تحفيظ القرآن الكريم. والجدير بالذكر أن اللغة العربية في النيجر تمتاز عن غيرها من اللغات المحلية الوطنية الأخرى بأنها تدرَّس رسمياً في المدارس الحكومية وغيرها جنباً إلى جنب مع اللغة الفرنسية؛ لغة الإدارة الرسمية، والتي أصبحت بدورها حَلْقة وصل وتفاهم بين المثقفين بها من الشعب النيجري.

 وصول الإسلام إلى النيجر:

 كانت طلائع الفتح الإسلامي قد طرقت أبواب الصحراء منذ وقت مبكر، وقد لا يعلم كثير من الناس أن عقبة بن نافع القرشي الفهري بعد اختراقه الصحراء والواحات من فزان إلى كاوار قام بحصار (كاوار) عاصمة الإقليم، فامتنعت عليه بعد حصار دام شهراً، فتركها ليعود إليها ويفتحها بعد جولة في الإقليم لإخضاع الواحات الأخرى، وتقع (كاوار) في الشمال الشرقي من جمهورية النيجر (الحالية) على الحدود بينها وبين ليبيا.. وما زالت تحمل الاسم نفسه إلى يومنا هذا، وبنظرة خاطفة على خريطة جمهورية النيجر يظهر إقليم كاوار. وقد بدأ الإسلام من ذلك الوقت ينتشر ببطء وبلا توقف مجتازاً المفازة التي وقف عقبة على مشارفها فارتدَّ قافلاً، كما فعل بعد ذلك عندما أدخل قوائم فرسه في البحر المحيط، في المغرب الأقصى. ولكن الأفكار - خاصة إذا كانت تحمل الأنوار - لا تعوقها المفاوز ولا أمواج البحار المتلاطمة ولا قمم الجبال الشاهقة ولا كثافة الغابات المتراصة والرمال المتحركة؛ فقد ذهب الإسلام يتخطى كل العوائق الطبيعية: من صحارى وغيرها، والعوائق الفكرية: من الوثنيات المتوارثة، وينتشر بقوَّته الذاتية، ويسمو بالمُثُل التي يدعو إليها وينشرها ويُلِح على الالتزام بها وتطبيقها. إلا أننا لا نستطيع الحديث عن جمهورية النيجر مبتورة عن منطقة الساحل الإفريقي؛ فهذه المنطقة يربطها تاريخ متشابك، وأحداثها تعمُّها كلَّها، كما أننا لا نستطيع ونحن نتحدث عن تاريخ انتشار الإسلام أن نفصل الحجاز عن المدينة المنورة ولا اليمن ومصر وفارس والشام عنها، ولا أن نترك جانباً دمشق وبغداد ونحن نتابع الفتوحات الإسلامية. فقد كانت هذه المنطقة خاضعة في تاريخها لدول مهيمنة أسهمت إسهاماً كبيراً مُشْرِقاً في تاريخ الإسلام على مستوى العالم الإسلامي، بل بأبعاد الحضارة الإسلامية، وقدَّمت للإنسانية ما ينبغي أن يكون حتى اليوم، بل المستقبل نبراساً ينضم إلى ما قدَّمه الإسلام للبشرية ويصبُّ في هذا النهر العظيم العذب الذي أراد الإسلام أن يكون منهلاً ثَرّاً فراتاً للحياة البشرية السلمية؛ حتى آخر لحظة للحياة الإنسانية على الأرض؛ يوم يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. ولهذا وحتى نكون واقعيين لا بد من الإشارة إلى أن الانتشار الشامل الكثيف الراسخ المتوطن جاء من الغرب الإسلامي؛ فقد بدأ الإسلام ينتشر في شمال إفريقيا بعلماء وتجار دعاة منذ تم فتح شمال القارة واجتاز الإسلام إلى شبه جزيرة إيبرية التي سميت بعد ذلك بالأندلس؛ إلا أن الدعاة تجاراً وعلماء لم يحوِّلوا منطقة غرب إفريقيا إلى دولة أو دول إسلامية، إنما الفضل يعود في ذلك - بعد الله - إلى دولة المرابطين الذين احتلوا غانا وعاصمتها (كومبي صالح). فقد اتجهوا إليها بقيادة الأمير أبي بكر بن عمر واقتحموها عام 460 ه وقضوا على الوثنية فيها، وعملوا على تحويلها كلَّها إلى بلاد إسلامية خالصة، وأقاموا عليها حاكماً مسلماً من الغانيين أنفسهم. ومن ذلك الحين أصبحت بلاد غانا كلُّها بلاداً إسلامية. وهكذا يكون أبو بكر بن عمر قد حوَّل معظم بلاد إفريقيا الغربية المدارية إلى الإسلام، وعندما توفي مجاهداً سنة 480هـ كان قد وقف بالإسلام على أبواب إفريقية الاستوائية عند منطقة الغابات الكثيفة، واستعد المسلمون للتوغل فيها. ومنذ أن حوَّل المرابطون السلطات الحاكمة في غانا إسلامية أخذت تعمل على نشر الإسلام في البلاد بحماسة. وشهد تاريخ السودان الغربي قيام إمارات ودول إسلامية تنشر الإسلام في معظمها، بل حوَّل (سنديانا كيتا) إمارات المنطقة إلى دولة واسعة قوية تنشر الإسلام في كل الأقاليم من المحيط الغربي إلى شرق النيجر؛ حيث توجد مملكة سنغاي، التي كان الإسلام منتشراً فيها من قَبْل، وأسلم ملكها قبل وصول ملوك مالي إليها واستيلاء منسا موسى (المشهور بكنكن موسى) عليها عند عودته من الحج، ذلك الحج الذي أثار ذكريات عظيمة في البلاد التي مرَّ بها أثناء ذهابه إلى الحج عام 724هـ/ 1324م، واشترى بيوتاً ومزارع وأوقفها على أهل تكرور في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وترك في القاهرة آثاراً بقيت حديث الناس زمناً طويلاً. وكان قادة دولة مالي يعملون لنشر الإسلام. وقد زار الرحالة المغربي ابن بطوطة مالي في القرن الثامن الهجري في حياة منسا سليمان موسى أخي كنكا موسى، وأشاد بالفضائل التي وجدها في هذه البلاد: كالأمان، والسلام، وحِفْظ القرآن الكريم، والمواظبة على الصلاة… وكانت سنغاي قد قضت فترة من الزمن تحت سلطان مالي ثم تخلصت منه، بل سيطرت على مالي وورثت كل ما لديها وزادت عليه؛ حتى وصلت حدودها إلى المحيط الأطلسي غرباً ومشارف بحيرة تشاد شرقاً، وإلى عمق الصحراء شمالاً وأجزاء من بوركينا فاسو وبنين (الحاليتين) جنوباً. وكان زعيمها الحاج أسكيا محمد قد حج في القرن العاشر الهجري، وزار القاهرة والتقى بجلال الدين السيوطي (ت911هـ). وفي مكة المكرمة لقَّبَه شريف مكة بخليفة المسلمين في تكرور وعاد بلقبه، وكان أسكيا متديناً. وبعد هذه الجولة التاريخية السريعة عن تاريخ وصول الإسلام هذه المنطقة، نعود إلى جمهورية النيجر، ولا نحتاج إلى القول بأنها كانت جزءاً من إمبراطورية سنغاي؛ فكل المنطقة التي تحتها كانت من دولة أسكيا الإسلامية.

نسبة المسلمين وواقعهم في النيجر:

يتضح مما تقدم أن النيجر، بلد إسلامي عريق في الإسلام؛ إذ استقر فيه الإسلام منذ قرون عدة، وشكَّل كثيراً من عادات الناس وسلوكهم. ويُقدَّر عدد السكان بحوالي (12) مليون نسمة، وتقدَّر نسبة المسلمين فيه بـ 97 % (سنَّة مالكية) حسب الإحصائيات الرسمية الأخيرة لحكومة النيجر.

 وأما النصارى فنسبتهم قليلة جداً، بل يرى بعض الناس أنه لا نسبة لهم؛ فهم قليلون جداً، ومعظمهم - أصلاً - غير نيجريين. وأما الوثنيون فهم أيضاً قلَّة. وقد صبغتهم المظاهر العامة بالتقاليد الإسلامية؛ بحيث لا يستطيع تمييزهم إلا أصحابُ البلد من جيرانهم. وتنبغي الإشارة إلى أن الإبهام وعدم الوضوح الذي دفع الناس - قبل الاستقلال وبُعَيْدَهُ - إلى تقديرات مختلفة لنسبة المسلمين، وكذلك غير المسلمين في النيجر، إنما يعود إلى أن السلطات الاستعمارية خلفت عادة لم يتخلص منها الناس بسهولة، وهي عدم الإشارة أو عدم إثبات دين الشخص عند الإحصائيات التي يقومون بها. وقد ترسَّخ هذا العمل، فَجَرَت عليه الإحصائيات بعد رحيل الاستعمار. فلا يوجد أحد أثبت أمام اسمه ديانته في الوثائق الرسمية، ولكن الذين أتيحت لهم الفرصة للطواف في البلاد طولاً وعرضاً وعمقاً يقولون: إن البلد كله مسلم، ولا يوجد فيه غير المسلمين تقريباً، وقد لاحظوا أن في المدن والقرى والبوادي مساجد كثيرة، وحتى في القرى التي لا تتعدى عدة بيوت، نجد فيها المسجد والإمام ورئيسَ القرية الذي يتباهى أن قريته فيها مسجد وإمام وكتَّاب؛ لتحفيظ القرآن. ولارتباط رئيس القرية أو حتى المدائن الكبرى بالمسجد والإمام، واجهت الذين أرادوا بناء مساجد جديدة مشكلة؛ حيث كانت معظم المساجد القديمة تحيط بها المساكن من الجهات الأربع، ولا تسمح بتوسيعها؛ فرفض رؤساء المدن والقرى نقل المسجد بعيداً عن بيوتهم، وكذلك تغيير الإمام.  ونضرب مثلاً على ذلك بإصرار رئيس مدينة «دوسو» وكذلك سلطان «زندر» على عدم نقل المسجد إلى مكان واسع بعيداً عن داره؛ فاضطر الناس إلى هدم بعض البيوت المحيطة بالمسجد وتعويض أصحابها. وهكذا نرى في النيجر كل مظاهر الإسلام، من إقامة صلاة الجماعة والمساجد، والأعياد الإسلامية، وافتخار الناس بلقب الحاج وما يعود به الحجاج من ملابس أهل الحرمين. ويظن بعض الناس قداسة هذه الملابس، ويظنون أن كل ما يأتي من بلاد الحرمين مبارك وفيه خير عميم لجميع الناس، وغير ذلك من المظاهر الإسلامية في النيجر. وقد دفع هذا بعض البعثات المسيحية التي وجدت البلد كلَّه مسلماً تقريباً، إلى أن تنشط في الأقلية غير المسلمة، بل حتى في أوساط المسلمين؛ لتجرَّهم إلى ديانتها، مستغلة فقرهم وعوزهم ومرضهم وجهلهم، وسبّب ذلك قلاقل وعدم استقرار، وهو ما يسمح لها بالصيد في الماء العكر. فقد نشطت هذه البعثات بما لديها من إمكانات مادية هائلة تغذِّيها الدول التي تنتمي إليها: نشطت في حفر الآبار وفي الصحة والإغاثة وتصريف منتجات الفلاحين وأصحاب المهن التقليدية، كل هذا لتجد مكاناً تضع فيه قدمها؛ لتنطلق بعد ذلك إلى العمق وهو غزو الجماهير المسلمة. وقد لوحظ غياب معظم المنظمات الإسلامية وتَرْكُ المسرح خالياً؛ ليعبث فيه من يحاولون بوسائل مختلفة زعزعة المسلمين، وصرفَهم عن عقيدتهم؛ فلولا الله - تبارك وتعالى - ثم الحيوية التي يتمتع بها الإسلام، ومتانةُ عقيدته، وقوَّته الذاتية لرأينا ما لا يسُرُّ المسلمين. غير أننا مع ذلك، لا نستطيع أن نُغفِل ما تقوم به بعض المؤسسات الإسلامية في هذا المجال: كرابطة العالم الإسلامي (السعودية)، والمؤسسة العالمية للإعمار والتنمية (السعودية)، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية (الكويتية)، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية (الليبية)، ولجنة مسلمي إفريقيا الكويتية (العون المباشر)، وجمعية قطر الخيرية، ومنظمة الدعوة الإسلامية (السودانية)، والعمل الكبير الذي قامت به منظمة المؤتمر الإسلامي من إنشاء الجامعة الإسلامية في النيجر، التي تُعَدُّ منارةً للعلم والنور، وتعليم علوم العربية والشريعة. وثمة مؤسسات إسلامية أخرى كثيرة. وكان الإسلام يصحب معه القرآن الكريم كلام الله - تعالى - الذي يمثل الطاقة القوية المحرِّكة للمسلمين، والنور الهادي الذي يقود خطاهم إلى الأمام، ويصوغ الضمير الحي الذي يخاف الله - تعالى - ويراقبه.

وترسَّخ الإسلام ولغته في إفريقيا؛ إذ أثبته المؤرخون وذكروه فصار لا غموض فيه؛ فهذا الناصري يقول مؤكداً ذلك في كتابه: (الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى): «قد تبيَّن لك ما قصصناه عليك من أخبار السودان (يقصد الغرب الإفريقي) وما كان عليه أهل تلك البلاد من الأخذ بدين الإسلام منذ وقت قديم، وأنهم أحسن الأمم إسلاماً، وأقومهم ديناً، وأكثرهم للعلم ولأهله تحصيلاً ومحبة. وهذا الأمر شائع في جُلِّ ممالكهم الموالية للمغرب...». ومنذ ذلك الحين عُرِفت دول المنطقة - خاصة النيجر - باهتمامها بالتعليم العربي الإسلامي، وإنشاء مدارس وكتاتيب قرآنية؛ لذلك (ولعله اعتراف بهذا الدور وتأكيد له) كانت رغبة قادة الأمة الإسلامية في اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي في لاهور باكستان 1974م في إنشاء جامعات إسلامية، تُعنَى بالتعريف بالإسلام وعلومه واللغة العربية في القارة الإفريقية: الأولى: تكون في الشرق الإفريقي الناطق باللغة الإنجليزية، يكون مقرُّها أوغندا. والثانية: لدول غرب إفريقيا، الناطقة باللغة الفرنسية، واختيار جمهورية النيجر مقراً لها. وبدأت الدراسة في الجامعة الإسلامية بالنيجر عام 1986م، ويدرس بالجامعة حالياً طلاب وطالبات، يتجاوز عددهم الألف، وينتمون إلى عدد من دول غرب إفريقيا، مثل: نيجيريا، والنيجر، ومالي، والكاميرون، وتشاد، وبوركينا فاسو، وكوت ديفوار (ساحل العاج)، والسنغال، وغامبيا، وغانا، وموريتانيا، وغينيا كوناكري، والرأس الأخضر، وتوغو، وسيراليون، وليبيريا، وبنين، وغينيا بيساو، وإفريقيا الوسطى.  والمتخرجون منها الآن يُعدُّون بالآلاف، ولله الحمد. وهم سفراء للغة العربية وعلومها في مجتمعاتهم، وأصبح لبعضهم مواقع مرموقة في حكوماتهم كوزراء وما دون ذلك.


المراجع:

 1 - الحضارة الإسلامية في النيجر، نشرته الإيسيسكو 1994م.

 2 - المسالك والممالك، البكري.

 3 - قادة الفتح الإسلامي، محمود شيت خطاب.

 4 - نافذة على المرابطين، القاسم البيهقي.

 5 - إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، السلطان ابن فودي.

 6 - موجز تاريخ إفريقيا، آدم الألوري. 

0 شخص قام بالإعجاب