دراسة المجتمع النيبالي الإسلاميمقالات

عطاء الله عبدالحكيم السنابلي

الإسلام دين يتمتع بشعبية ممتازة، وهو أكثر الأديان والمذاهب استقبالاً وقبولاً، وهو ديانة توجد في العالم كله؛ في الصحراء والسهول والأودية والجبال، حتى في الغابات والأدغال. والمسلمون يوجدون في قمم الجبال وبطون الغابات، وأدغال الصحراء. هذا يحطم آراء المستشرقين الذين يصفون الإسلام بدين الصحراء والسهول. فلم تلبث دولة نيبال أن تشرفت بقدوم الإسلام الميمون وأشرقت أرضها بنور ربها. وقد وصل الإسلام إلى نيبال قبل قرون بعيدة وعصور غابرة وانتشرت في سهولها وغاباتها وأوديتها وجبالها وارتقى قممها. وبه تكوّن مجتمعا إسلاميا يتميز بالمظاهر الاجتماعية الإسلامية، فمازال المجتمع الإسلامي النيبالي ولايزال يرسل لمعات ساطعة في كل بقعة من بقاع البلاد جبلية كانت أو معبدة مسهلة. وفي هذه المقالة الوجيزة نريد أن نقوم بدراسة المجتمع الإسلامي النيبالي قديماً وحديثاً.

الموقع الجغرافي: النيبال دولة صغيرة، يحدق بها الجمال والبهاء، وتتمتع بالمناخ الطبيعي، ومحاطة بالمناطق الجبلية والسهول، وتقع بين الهند والصين، تجاورها "التيبت" شمالاً، وتحدها الهند شرقا وغربا وجنوبا، وطول البلاد يمتد من الغرب والشرق، وعرضها بين الشمال والجنوب، وتبلغ مساحتها نحو 141،000 ووفقا لبعض المصادر الأخرى إنها 147،181 كيلو متر مربع. ويبلغ عدد سكانها نحو 27،901،790 نسمة حسب تقديرات يوليو 2007م، بينما يبلغ عددهم حسب تقديرات يوليو سنة 2008م نحو 29،519،114 نسمة وبه تقع نيبال في موقع منعزل قلما يسمع العالم عنها قبل انفجار العولمة والثورة الماوية. وتنقسم البلاد إلى أربعة أقاليم: الإقليم الشرقي، والإقليم الاوسط، والإقليم الغربي والإقليم الأقصى. وتشتمل تلك الأقاليم أربعة عشر مقاطعة والتي تشمل بدورها 75 ناحية.

دخول الإسلام وانتشاره في النيبال: تشرفت الهند بمجيء الإسلام منذ سالف الزمان، وبما أن دولة نيبال ليست ببعيدة عن الهند، بل تحدها شرقاً وجنوباً وغربا، فلا غرو أن كان وصل الإسلام في هذه الدولة مع دخوله في الهند في ناحية من نواحيها، حيث اتفق المؤرخون على أن الإسلام دخل في القرن الأول من الهجرة، ولم يزل ينتشر في رحابها الفسيحة وأراضيها الواسعة على أيدي التجار المسلمين والغزاة والدعاة إلى الله إلى أن تشرفت الأرض قاطبة بنور ربها، وأخذت المظاهر الاجتماعية الإسلامية تزدهر يوماً بعد يوم. وللتجار المسلمين من ولاية كشمير - الذين اعتنقوا الإسلام إثر الفتوحات الإسلامية على أيدي محمد بن قاسم في العقد الأخير من القرن الأول الهجري - مساهمة كبرى في نشر الدعوة الإسلامية في النيال، والذي يدل على كلامنا هو وجود اللغة الكاشميرية في النيبال حتى إلى يومنا هذا. كما بنى الكاشميريون مسجداً كبيرا في العاصمة " كاتماندو" ولم يزل موجوداً حتى الآن. وبالأكيد شنّ غياث الدين ملك الهند المغولي الغارات في النيبال في القرن الثالث عشر الميلادي، وفي القرن الرابع عشر الميلادي دخل السلطان شمس الدين حاكم البنغال المسلم غازياً في المناطق الجبلية وفتح بعض المناطق منها إلا أنه لم يستطع المكث طويلاً بسبب الشتاء القارس. وازدادت علاقة المسلمين الهنود بالنيباليين في عهد الإمبراطور المغولي أكبر، الذي أرسل البعثات الإسلامية إليها، وبه يبتدأ التأريخ الحقيقي لانتشار الإسلام والمسلمين رسمياً. وذلك كان في 1491م. وبالإضافة إلى ذلك تحسنت وازدادت علاقة مسلمي الهند بمسلمي النيبال عندما تمكن الإسلام من جذور قوية في الهند وبالأخص منها في مناطقها التي تحدها النيبال من جهات ثلاثة، إلى أن تبوأ الإسلام في النيبال مكاناً رفيعاً عندما تمكنت الجمعيات الخيرية الإسلامية، والمدارس الإسلامية في أرجائها المعمورة من نشر القيم الإسلامية عن طريق التعليم، وإلقاء الدروس والخطب في الجوامع الإسلامية والمساجد. وبالتحديد في أواخر القرن العشرين انتشر الإسلام وقيمه الاجتماعية بسرعة فائقة بسبب عناية مسلمي الجزيرة العربية والهند. والذين قاموا ببناء مساجد كثيرة لاتعد ولا تحصى، حتى أنك لا تجد قرية في المناطق المتميز بالسهول إلا وعمروها بالمساجد. والفضل الأكبر في هذه الدعوة الإسلامية يرجع إلى علماء الإسلام بالنيبال وبالأخص منهم الشيخ عبدالرؤوف الرحماني – رحمه الله تعالى- والشيخ محمد هارون السلفي، والشيخ محمد يوسف – تغمده الله برحمته الواسعة – والشيخ شميم أحمد الندوي، والشيخ عبدالله المدني، والشيخ عبد القيوم المدني، والشيخ بدر الزمان النيبالي، والشيخ عبدالرحيم المدني، والشيخ شفيق الرحمن السلفي وغيرهم، الذين بذلوا كل غال ورخيص في نشر الإسلام في البلاد...... اللهم إلا أنهم لم يلتفتوا إلى المناطق الجبلية التفاتا مطلوباً، ومن ثم نجد المسلمين الذين يقطنون تلك المناطق لا يعرفون عن الإسلام وتعاليمه إلا قليلة، بل تسود عليهم العادات والتقاليد الهندوسية حتى أن بعضهم قد يحضرون في معابد الهنادك ويشاركون في شعائرهم الدينية، ولهم فيه عذر، لأن كثيراً من المناطق بين ثنايا جبال الهملايا وعرة جدا، ووسائل النقل كان في الماضي ضعيفة للغاية فلم يستطع الدعاة الوصول إليها. وأما الآن فقد تغيرت الحالة تماما، وأصبحت وسائل النقل متوافرة ومتواجدة أكثر بكثير مقارنة بالماضي، فعلى دعاة المسلمين النيباليين والهنود المجاورين لهم والآخرين أن يهتموا بهذا الخصوص حيث مازالت دولة نيبال محطة للدعاة البوذيين والمسيحيين، والهنادك والمسلمين منذ آماد بعيدة.

أثر الإسلام على حياة مسلمي النيبال الاجتماعية ومظاهرها:

هذه حقيقة ناصعة بأن الإسلام دين الاعتقاد والعمل، آثار العمل تظهر في كل شيء، والإنسان المسلم مكلف أن يمارس الدين وتعاليمه في كل شيء في عباداته ومعاملاته وسلوكه ومآكله ومشاربه، وأن ترى الشعائر الدينية في حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والفردية والجماعية، فقد شهد التاريخ بأن آثار الإسلام على جوانب الحياة الانسانية برزت واتضحت في كل عصر ومصر. فكان لابد من أن يؤثر الإسلام على حياة مسلمي النيبال الاجتماعية، فقد لوحظت آثاره في طريقة حياتهم، واكتسابهم، ومعيشتهم ومستواهم، وطرأ على المجتمع القديم تغيرات كثيرة، طمست كثيرا وحلت محلها قيم أخرى إسلامية، وتأثرت به ثقافتهم وحضارتهم وديانتهم وفكرهم وعاداتهم وتقاليدهم فقد تغير مجرى حياتهم الفردية والجماعية وتجلت مظاهرها في سلوكياتهم وخلقهم وملبسهم ومشربهم ومعيشتهم وثقافتهم.

المظاهر الاجتماعية لمسلمي النيبال: الملامح الاجتماعية لمسلمي النيبال تتجلى في النكات التالية:

الطبقات والأعراق: النيباليون بمن فيهم المسلمون يتكونون بطبقات وأعراق، يمكن أن نقسمهم إلى طبقات ثلاثة، وهي:

1- الجبليون: وقد رأينا فيما أسلفناه بأن معظم مناطق البلاد تشتمل على المناطق الجبلية، ويقطنها أناس كثيرون، قد يبلغون نحو ستين في المائة. وهم من أسلاب تبت والصين، فهم يشابهونهم في صورهم وملامح وجوههم وفي عاداتهم وتقاليدهم، اللهم إلا أنهم يتميزون عنهم في أشياء كثيرة ولهم حضارة تختلف عن سكان تبت والصين.

2- تارو (THARU): والذين يقطنون الغابات والمناطق النائية والضواحي المنسية يطلق عليهم " تارو" وهم يتميزون بصورهم ما بين الجبليين والمديشيين، وأغلبيتهم فقراء مدقعون، وهذه الطبقة تعتمد على العمل والأجرة في المزارع والمصانع والمعامل، ولا توجد فيهم الثقافة ولا القيم الحضارية المثالية الجديدة، لأنهم مازالوا محرومين عن الوصول إلى القفزات الحضارية بسبب القهر السياسي السابق والتعصب الملكي المتحايز للجبليين فقط.

3- مديشيين (INDO-NEPALIES / MADHESHIES): وقد ذكرنا أن دولة نيبال تحدها الهند من أطراف ثلاثة ؛ من الشرق والغرب والجنوب ؛ فالمناطق التي تقع على حدود الهند تتكون بأسلاب الهنود الأصليين، وهم زي الهنود في كل شيء، لا تختلف صورهم عن الهنود بل جميع العادات والتقاليد والمناسبات السائدة في الهند، وبالأخص منها على المناطقة المجاورة من الحدود من الأطراف الثلاثة، توجد لدى مديشيين، وتزيد نسبتهم أكثر من 35 في المائة.

وتعتبر هاتان الطبقتان الأخريتان من الطبقات المتخلفة، وطبقة تارو أكثر تخلفا منهما، وتولد هذا التخلف البشع من بطن نظام الملكية السابق، الذي لم يعتني إلا بشئون طبقة واحدة، وهي " الطبقة الجبلية " ولم تستفد الطبقات والأعراق الأخرى بالمراعات والمنح الحكومية، واستمرت الملكية الطاغية في البلاد لمدة تزيد من مائتين وأربعين (240)عاما. ومن ثم نجد الجبليين أكثر تقدما ومثقفاً ووقوفا لدى الحضارة الجديدة العالمية، يمتاز مستوى حياتهم من الآخرين إلى حد بالغ، وتسود فيهم الحضارة الغربية، مع أن من سواهم لا يعرفون عن العالم الخارجي إلا قليلاً جدا. ونحمد الله تعالى على قضاء هذه الملكية الظالمة المستغلة في 23/ديسمبر سنة 2008م، حين تم الاتفاق على إنهاء الحكم الملكي إثر الجهود المتتالية للثورة الماويئة الشيوعية والآخرين فتحولت نيبال من ملكية إلى جمهورية ديمقراطية في 2008م، وفي العام نفسه في 28/ مايو أعلنت "جمهورية نيبال الفيدرالية" بحيث يكون لها رئيس دستوري (رئيس الجمهورية) ورئيس تنفيذي للحكومة (رئيس مجلس الوزراء)، وتمّ إعلان يوم 28 مايو من كل عام عيدا وطنيا، والذي يصادف يوم الجمهورية النيبالية.

الحالة الدينية للمجتمع الإسلامي النيبالي:

ما زالت دولة نيبال محطة لديانات مختلفة ومذاهب شتى، الهندوسية والبوذية والإسلام، والكيرانت موندهوم وديانات أخرى توجد فيها. والهندوسية هي الديانة الأغلبية، تتضارب نسبة المواطنين فيما بينها حسب الحصائيات المختلفة وحسب إحدى إحصائيات أجريت عام 2006م بلغ عدد سكانها إلى سبعة وعشرين مليونا، والمسلمون منهم أكثر من مليونين، فهم يكوّنون أكثر من 13.5% من عدد السكان الإجمالي. بينما يذكر محفوظ عالم الفلاحي في مقالته " الأقلية المسلمة في نيبال ومشكلاتهم " والتي قدمها للماجستير بالجامعة الإسلامية العالمية شيتاغونغ، بنغلاديش، بأنه حسب تقديرات يوليو بلغ عــدد السكان في البلاد نحو 8,901,790 نسمة، والمسلمون منهم 2,800000نسمة فهم10,32 %في المائة.

والمسلمون حسب المناطق الجغرافية ينقسمون إلى قسمين:

الأول: القسم الجبلي: المسلمون لا يوجدون في القسم الجبلي إلا قليلاً، لا في مدنها ولا في قراها، حيث كانت المدن تحت سيطرة الحكومة الهندوسية رسمياً، منذ 240 عاما، وكانت القرى صعب الوصول إليها، فلم تكد الدعوة الإسلامية تصل إلى المناطق الجبلية كثيراً، ومن ثم يقل تواجد المسلمين فيها، والمسلمون الذين يسكنون في القرى من المناطق الجبلية يشبهون بالصينيين وأهل تبت في المشرب والملبس والمآكل، وقلما تجد أثر الإسلام على حياتهم الاجتماعية، والسبب يرجع إلى عدم المعرفة بأحكام دينهم وبعدهم عن القيم الإسلامية جهلاً. وفي العقود الماضية الأخيرة قامت جمعيات من المسلمين باهتمام أمر الدعوة من خلال فتح المدارس الإسلامية ومراكز الدعوة، وذلك ببناء المساجد في القرى والمدن وتعيين الدعاة والأئمة لها ليقوموا بالتدريس والدعوة مع قيامهم بدور الأئمة والخطباء، كما تسعى تلك الجمعيات لإرسال البعثات من بين الطلاب إلى الهند والدول الخليجية وبنغلاديش وباكستان وغيرها ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، وبارك الله في إخواننا العرب الذين فتحوا أبواب خزائنهم العلمية والمادية للدعوة الإسلامية للشعب النيبالي المنسيين بين شعاب جبال وأودية الهملايا.

الثاني: القسم السهولي: يكثر في هذا القسم تواجد المسلمين، ويقطنه كثير من المديشيين وقليل من " تارو" الذين يجاورونهم، والمديشيون أكثر ملمّين بالقيم الإسلامية من الآخرين. والمديريات التي تكثر فيها الملامح الدينية هي " روتهت" التي تقع على حدود جمبارن الشرقية بولاية بيهار، كما يكثر المسلمون في مديريات " كفل وستو " - مولد بوذا – و "روبنديهي" المتصلتين بالهند لولايتها أترابراديش، وخاصة بمديرة مهراجغنج، وسدارت نغر، وتكثر فيها المدارس والكليات الإسلامية وكثير منهم يعتنون بالتعليم الديني، ولهاتين المديرتين جهود جبارة في نشر القيم الإسلامية في المجتمع المسلم النيبالي.

الزواج ونظام الأسرة:

يسود الزواج الشرعي بين مسلمي النيبال قاطبة، مع بعض الفروق الضئيلة الناتجة عن العادات والتقاليد غير المضادة للشريعة الإسلامية حسب المناطق الجغرافية والأعراق المختلفة من المديشيين والجبليين وتارو. وأما فيما يخص بالزواج فصاحب البنت يعني والدها أو وليها يذهب للبحث عن زوج لها، وتتم بينهما الخطبة، ثم يتفق الجانبان على موعد، حيث يأتي صاحب الولد ؛وليه أو والده مع أقربائه وضيوفه (ويطلق عليهم البارات) إلى بيت البنت، فيقوم أهل البنت بضيافتهم وإكرامهم، يطعمونهم ويشربونهم، ثم يقوم الخطيب أو الإمام أو العالم الشرعي بعقد القران. هكذا يتم العقد ثم يرجع الزوج مع زوجته إلى بيته، وبعد أن يزفان تجري مناسبة الوليمة من قبل الزوج التي يدعو فيها أقربائها وأقرباء زوجته، إلا أنه لاتدوم إلا يوما واحدا، وفي أغلب الأحيان ترجع الزوجة إلى بيت أبيها بعد أسبوع أو أسبوعين ويصاحبها زوجها، ثم يرجع الزوج وتبقى الزوجة في بيت أبيها لمدة سنة أو نصف سنة أو لشهور، وبعد ذلك يذهب والد الزوج أو وليه مع أقربائه إلى بيت الزوجة ليأتي بها، ويطلقون على هذه المناسبة بــ " دونغا"، ثم يصبح الإياب والذهاب عاما، اللهم إلا أن مدة دونغا قد قصرت في هذه الأيام، فلا تلبث الزوجة في بيت أبيها لمدة كثيرة، بل شهرا أو نصف شهر أو لأيام فقط ثم ترجع إلى بيت زوجه.

وأما بالنسبة لنظام الأسرة والعائلة فالوالد يعتبر رئيس الأسرة، ويوفر الإعاشة والقوت لجميع أولاده، ويبقي أولاده مهما كبروا في بيت أبيهم ولايتركون البيت إلا بعد مماته، ومن هنا يبدأ التوارث وانقسام المواريث يعني النظام المشترك للأسرة (joint family system) يسود في المجتمع المسلم النيبالي إلا أنه قد يحدث خلاف ذلك في بعض الأحيان.

حالة المرأة المسلمة النيبالية:

كانت المرأة النيبالية قبل دخول الإسلام في الدولة تواجه كل ما كانت تواجه النساء في البلدان المجاورة لها من الهند والصين وبورما وتيبت، وبما أن الدولة كانت تخضع للديانة الهندوكية منذ آماد بعيدة، فلا عجب أن تتواجه المرأة النيبالية كل ما كانت تواجه الهندوسيات الأخرى مثل " ستي" و: منع الزواج لمرة أخرى من توفي عنها زوجها أو المطلقة، وكان الزواج في الطفولة سائدا في المجتمع الهندوسي، الذي كان يعود بخسارة فادحة وضرر إلى المرأة، والمرأة كانت تعاني مشكلات أخرى لاتعد ولاتحصى.

 والإسلام أول من جاهد لرفع مستوى حياة المرأة، وعندما اعتنقت المرأة النيبالية الإسلامية تبوأت مكانه رفيعة وازدادت أهميتها بين العائلة والأسرة والمجتمع، وتخلصت من التقاليد الحرجة الضيقة ؛ لأن الإسلام جعلها أما أوبنتا وأختا أو خالة أو عمة أو جدة وما إلى ذلك، وقرر لكل منها شرفا وكرامة وأوجب على المجتمع أن يعترف بكرامتها وفضلها كما قرر لكل منها حقوقا وقوانين وأوجب أداءها إلا أن المرأة المسلمة النيبالية – حتى في أيامنا هذه – تواجه بعض المشكلات في بيتها، خاصة في الزواج، حيث يوجد الإجبار في بعض الأحيان، والذي لايتوافق مع روح الشريعة الإسلامية، إلا أنها تتمتع بحقوق وتقديس. ومعظم هذه المشكلات تتولد من بُعد المرأة المسلمة عن التعليم والثقافة.

وأما فيما يتعلق بتعليم المرأة المسلمة في النيبال، ففي السهول أصبح تعليم المرأة محلا للاعتناء منذ العقد الأخير من القرن العشرين، حيث أقيمت عدة مدارس إسلامية للبنات مثل كلية عائشة الصديقة بجندا نغر، وكلية خديجة الكبرى للبنات بجندا نغر، وكلية أم عمار للبنات ببيس كندا، ومدرسة فاطمة الزهراء ببنغهياء، وكلية آسية للبنات لبني روفنديهي، وكلية فاطمة الزهراء للبنات خنغائي بمديرية روفنديهي وغيرها... فكثير من الطالبات يدرسن فيها إلا أنه لاتُدرس فيها إلا المواد الدينية، وهذه المدارس تحتاج إلى إدخال المواد العصرية وخاصة الطب النسوي، فعلى القادة المسلمين أن يقوموا بإنشاء كليات الطب للبنات، كما تمس الحاجة إلى إنشاء المعاهد والكليات للعلوم العلياء للمرأة المسلمة النيبالية في الدراسات الإسلامية والعصرية التقنية.

الثقافة والتعليم في المجتمع الإسلامي النيبالي: إن أحوال المجتمع المسلم النيبالي مازالت ضئيلة جدا منذ قرون لعدم عناية الحكومة بشئونهم، فكانوا من الطبقات المنبوذة والمسحوقة نائياً عن الثقافة والتعليم، ولكن إثر النهضة الحديثة في الصناعات وانفجار المعلومات وخيراتها التي حصلت عليها الهند، وتمت لمسلمي الهند انجازات مهمة خاصة الذين يقطنون مناطق الحدود، استطاع مسلمو النيبال أن يقتدوا بهم، فاعتنوا بالتعليم، وحاول علماء المسلمين ورجال الدين أن يفتحوا المدارس والكليات، كما أن الطبقات الممتازة الثرية التفتت نحو التعليم العالي، فأرسلوا أولادهم إلى الهند والدول الخليجية للحصول عليه ولم تمض العقود الأخيرة من القرن العشرين إلا وولج النيباليون في حقل المدارس والكليات للبنين والبنات مباشرة في شكل ملموس، ولكن هذه المدارس والكليات في أغلب الظروف لا تعالج إلا القضايا الدينية، وهي في حاجة ملحة إلى إنشاء المدارس والكليات والجامعات التي تدرس العلوم والحساب، والعلوم الاجتماعية، وعلوم الكمبيوتر باسم الأقلية المسلمة خاصة كلية الطب للبنات المسلمات. ولكن نسبة التعليم لدى الجبليين من المسلمين أحسن من إخوانهم إلا أنهم قليلو العدد، أما " تارو" من المسلمين فهم في أسوأ حالة ثقافية وتعليمية، وهم أكثر تخلفا وحرمانا عن التسهيلات الحكومية ومراعاتها ولا توجد المدارس في مناطقهم.

وهذه حقيقة ناصعة بأن للاقتصاد دور فعال في نهوض المجتمعات البشرية، وبما أن المسلمين مازالوا مضطهدين ويواجهون البطالة والفقر والإفلاس منذ قرون بعيدة، ظنوا أن التعليم لا يأتي بالرخاء والتبشير المادي، ومن ثم أهملوا التعليم، وأصبح العمل في المصانع والمزارع أكبر هممهم حتى في العقود الأخيرة من القرن العشرين فتحت الدول الخليجية شركاتها ومؤسساتها التجارية ومكاتبها للنيباليين، الذين توافدوا إلى البلدان العربية، ونزلوا بها للعمل، والذي عاد بالنفع إليهم، فتحسنت حالتهم الاقتصادية وتسببت الرخاء المادي، والآن لا تجد قرية إلا وعشرون شابا على الأقل من سكانها المسلمين يعملون في تلك البلاد، خاصة من الذين يقطنون السهول من البلاد، وإثر الرخاء المادي طرا بعض التغيرات في المجتمع المسلم النيبالي، فتبدلت مستوى معيشتهم، وبالإضافة إلى ذلك، خلال مكوثهم في البلدان النامية والمتطورة أنهم عرفوا فضيلة العلم والمعرفة بدأوا يشعرون بأهمية التعليم ومسئولياتهم تجاه التعليم وتثقيف أولادهم، ومن ثم نجد عددا لابأس به من الطلاب المسلمين النيباليين يدرسون في الكليات والجامعات الهندية... اللهم إلا أنه يوجد عدد كبير من المسلمين الذين لا ينظرون إلا إلى مصانع ومعامل ومكاتب دول الخليج والهند، ولا يحلمون إلا النقود والريالات والدراهم، خاصة إلى الريالات القطرية، فلا يكاد يبلغ أولادهم أو أحفادهم إلى العشرين من عمره أو أقل منه، يصرون على إرسالهم إلى خارج البلاد ليكسب القوت، ولا يهمهم التعليم ولا التثقيف، أنهم يقضون على مستقبل أولادهم الزاهر لأموال تافهة مع أنهم لا يعرفون من أن يأتي الرخاء المادي الحقيقي، وما هو المفتاح لباب السعادة الحقيقية وما للعلم من دور في الرخاء المادي في العصر الحاضر، فيا ليت قومي يعلمون![1]

 

[1] المصدر: مدونة Ataullah.

 

 

 

0 شخص قام بالإعجاب