حضارة الإسلام في بنغلاديش (2)مقالات


مشروعات زراعية كبيرة:

كان لسلاطين البنغال دور كبير في ازدهار الزراعة وزيادة إنتاج المحاصيل بالبنغال، وذلك بفضل اهتمامهم بالإصلاحات الزراعية من إقامة الجسور وحفر الترع والقنوات، ومن أهم الأمثلة على ذلك قيام "غياث الدين إيواز الخلجي" ببناء جسر طويل مرتفع مقوس يعلو الأنهار الكبيرة، فهو يمُرُّ فوق "نهر الجانج" من ناحية ونهري "المهاناندا" و"البوناربهافا" من الناحية الأخرى، وذلك للتغلب على الفيضانات السنوية، وبسبب هذا الجسر تمكَّن الناس من العبور بأمان عبر هذا الطريق.

كما وجَّهَ السلاطين اهتمامهم بحفر الترع والقنوات، ومن أهمهم السلطان "باربكشاه" الذي قام بحفر الترع والقنوات والاهتمام بالري.

كما اهتم السلاطين ببناء الخزَّانات لتخزين مياه الأمطار، من ذلك الخزَّان الذي أنشأه السلطان "فيروز شاه" في مدينة "غور"، ومن سلاطين البنغال المغرمين بالزراعة السلطان "نصير الدين محمود شاه"، فقد روي عنه اشتغاله بالزراعة قبل اعتلائه العرش[1].

وقد انعكست هذه المشاريع الزراعية على ما تنتجه البنغال في العصر الإسلامي حيث كانت تنتج أنواعًا متعددة من المحاصيل بكميات وفيرة، وذلك لخصوبة أرضها العالية حيث كانت هذه الأرض تُزرَع مرتين أو ثلاثة سنويًّا، ولوفرة إنتاج بعض المحاصيل قام البنغاليون بتصديرها للخارج.

 ويعد الأرز من أهم المحاصيل التي تنتجها البنغال ثلاث مرات سنويًّا، ونظرًا لوفرته كان يصدر إلى مناطق مختلفة داخل الهند وخارجها، وقد اشتهرت "كمروب" خاصة بزراعة الأرز حتى إن السلطان "إسکندر شاه" نقش على عملته التي أصدرها عقب فتحه لها "ملكي شوليستان" أو "ملك أرض الأرز".

وقد امتدح الرحَّالة الصيني "ماهيان" الأرز البنغالي، ووصف حبوبه بالطول والنحول والاحمرار.

ولقد زرع بالبنغال في عهد السلاطين جميع أنواع الحبوب، وتلا زراعةَ الأرز في الأهمية زراعةُ القمح والشعير والذرة، ومن أهم الخَضْراوات التي كانت تزرع بها الباذنجان والثوم والكرنب والسبانخ والبصل والبطاطس والفجل، ومن أهم أنواع الفاكهة بها الموز والمانجو والأناناس والجوافة وثمرة الكاسترد والبطيخ والتين، وتشتهر "بيهار" بزراعة المانجو بصفة خاصة، وقد أنتجت البنغال كميات كبيرة من البرتقال، واشتهر إقليم "باريك آباد" بالبرتقال بصفة خاصة، وكانت زراعة الكاكاو من الزراعات الشائعة في شرق البنغال، ومن المحاصيل الأخرى التي اشتهرت بها البنغال قصب السكر ونخيل البتل ونبتة الجوتة، كما اشتهرت بزراعة القطن.

واشتهرت البنغال أيضًا بزراعة أنواع عديدة من التوابل أهمها الكركم والفلفل والكزبرة والينسون، وكان يتم تصدير التوابل المختلفة، وكان الفلفل على رأس هذه التوابل؛ لأهميته البالغة بسبب ارتفاع ثمنه وندرة الحصول عليه، ولإقبال الدول الأوربية على استيراده بكميات كبيرة، إلى جانب النباتات العطرية والأعشاب الطبية[2].

 

إشادة هندوكية بالحكم الإسلامي:

كانت البنغال تنعم في عصر السلاطين المسلمين بأمن على المستوى الاجتماعي، بين المسلمين والهندوس الموجودين في مدن البنغال المسلمة، وكانت هناك علاقة تعاون وتفاهم تعد من أهم السمات المميزة في التاريخ الاجتماعي للبنغال فترة الحكم الإسلامي.

ولقد خضع الهنود للحكم الإسلامي في البنغال، وحظي السلطان رأس النظام السياسي والاجتماعي في الدولة باحترام وطاعة الهنود، لما حظوا به من ازدهار في ظل الحكم الإسلامي للبلاد، ويستدل على ذلك من كتابات الشعراء الهنود، فقد ذكر الشاعر الهندي "فيجايا جيوبتا" أن الشعب عاش تحت حكم السلطان "حسين شاه" في سلام وسعادة حقيقيين, وأشاد الشاعر "سريكار ناندي" بالسلطانين "حسين شاه" وابنه "نصرت شاه"، ووصف "حسين شاه" بأنه "سيد العالم الذي يحكم بالعدل"[3].

ومما يثبت احترام الهنود للحكام المسلمين باعتبارهم رأس الدولة وحُماةَ الحياة الاجتماعية للشعب، لجوؤهم للقضاء الإسلامي لفض نزاعاتهم، باعتبار القاضي هو ممثل السلطان، ونجد طائفة "الفيشنوية" قد لجأت للقاضي المسلم ليوقف الاعتداءات ضد معلمهم "شايتانيا" وأتباعه في الشارع ليلًا، وبالفعل قام القاضي بإيقاف تلك الاعتداءات، إلى جانب ما ناله الهندوس من حرية ومشاركة إدارية في ظل الحكم الإسلامي للبنغال، فضلًا عن رعاية سلاطين البنغال للحركات الإصلاحية الهندية[4].

 

• كانت حدود "البنغال" قديمًا أكبر مما هي عليه حاليًّا، ونجد أن "البنغال" في عهد السلاطين المسلمين شملت "بنغلاديش" الحالية، وولاية البنغال الغربية في الهند، وكذلك بعض أجزاء ولاية "بهار" و"آسام" الحالية التي تقع ضمن الإقليم الجغرافي للهند في الوقت الحاضر.

• زار كثيرٌ من المؤرخين والرحَّالة مدن البنغال في القرون الوسطى وتكلموا عن رخاء أهلها، وسعة عمرانها.

• من المؤرخين الذين كتبوا عن ثراء البنغال ووصفوا مدنها الكبيرة: "ابن بطوطة"، و"سليمان بن أحمد بن سليمان المهري"، والرحالة الصيني "ماهوان"، والمبعوث الصيني "في شين".

• تقدمت وتطورت في البنغال صناعة المنسوجات في عصر السلاطين، وكان يطلق على المنسوجات القطنية الرقيقة في البنغال اسم "موصولين" أو "موسلين" نسبةً إلى مدينة "الموصل" بالعراق.

• برع الفنانون المسلمون في البنغال أيضًا في صناعة المنتجات الخشبية والمعدنية والزجاجية.

• أنشأ المسلمون عددًا من المدن والمراكز في البنغال بعد دخولهم إليها، والتي ذكرها كثير من المؤرخين والرحَّالة الذين مروا بها، ومن أبرز تلك العواصم: مدينة غور، ومدينة بندوه، ومدينة داكا.

• نظرًا للرخاء الاقتصادي الذي كانت عليه البنغال وثرائها معماريًّا، نجد ملوكها كانوا يهتمون بالمنشآت المعمارية خارج البلاد أيضًا.

• كان لسلاطين البنغال دورٌ كبيرٌ في ازدهار الزراعة وزيادة إنتاج المحاصيل بها، وذلك بفضل اهتمامهم بالإصلاحات الزراعية من إقامة الجسور وحفر الترع والقنوات.

• انعكست هذه المشاريع الزراعية على ما تنتجه البنغال في العصر الإسلامي حيث كانت تنتج أنواعًا متعددة من المحاصيل بكميات وفيرة وتقوم بتصديرها للخارج، كالأرز والقمح والشعير والذرة والتوابل المختلفة.

 

 

[1]  Hussain، Syed Ejaz. Bengal Sultanate: Politics، Economy and Coins (AD 1205-1576)، Manohar Publishers & Distributors ; 2003،  p. 122، 257.

[2] الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبنغال منذ الفتح الإسلامي حتى الغزو المغولي (601 هـ/ 1204م: 982 هـ / 1574م)، د. وفاء محمود عبد الحليم، مكتبة الثقافة الدينية - مصر، 2015 م، صـ153-155.

[3] Abdur Rahim، Mohammad. Social and Cultural History of Bengal، Publisher: Pakistan Historical Society، 1963، p. 240، 241.

[4] الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبنغال منذ الفتح الإسلامي حتى الغزو المغولي (601 هـ / 1204م: 982 هـ / 1574م)، د. وفاء محمود عبد الحليم، صـ234-235.