مدير المركز الثقافي الإسلامي بهولندا خميس قشة: نسعى للاندماج الإيجابي وإنشاء مشروع تربوي ثقافيمقالات

موقع وزارة الأوقاف الكويتية

المصدر: موقع وزارة الأوقاف الكويتية، 31 مارس 2012.

 

تسعى المراكز الإسلامية في أوروبا إلى بناء صورة صحيحة للإسلام والمسلمين، تكرس الاندماج الإيجابي من خلال المحافظة على الخصوصية الإسلامية من ناحية، والمواطنة في المجتمع من ناحية أخرى.

ولم تعد قضية "توطين الإسلام في الغرب" مجرد شعار، بل أصبحت واقعاً يعيشه المسلمون، غير أن هذا المسار مازال دون مستوى الطموح وتعتريه أوجه عديدة من القصور وحرص بعض المسلمين على أن يعيشوا على الهامش، واصطحاب شعور أنه ليس في بلده مهما أقام في هذا المجتمع.

مدير المركز الثقافي والاجتماعي بهولندا خميس قشة تناول في هذا الحوار أوضاع المسلمين في هولندا والتحديات التي تواجههم، ودور المراكز الإسلامية في جمع شمل المسلمين وجهود التيار الإسلامي الوسطي في رأب الصدع بين التجمعات الإسلامية، وفيما يلي نص الحوار:

* كيف تقدم هولندا للقارئ العربي والمسلم؟ وما عدد المسلمين وتنوعهم على خريطتها الدينية؟

في البداية أود أن أشير إلى أن هولندا دولة صغيرة، مساحتها لا تتجاوز 45 ألف كيلومتر، ويبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، من بينهم 45% لادينيون، وتصل نسبة المسلمين الى 10% أي ما يقارب المليون ونصف المليون مسلم، وينحدر المسلمون من أصول وجنسيات مختلفة، من بينهم 500 ألف مسلم يمثلون الجنسية التركية، و430 ألف يمثلون الدول العربية المختلفة، و270 ألف يمثلون الجالية السيلانية، والبقية تتوزع على الدول الإسلامية.

التحديات

* ما أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في هولندا؟

بعد تنامي تيار اليمين المتطرف في هولندا أصبحت الجالية المسلمة في مرمى الاستهداف، لاسيما بعد أن تخطت جميع الخطوط الحمراء التي كان يرسمها لها، ورفضت أن تبقى على هامش الواقع، حيث كان يراد أن يبقى أبناؤها محصورين في المهن الوضيعة والهامشية كالنظافة وغيرها، لكن أبناء الجالية أثبتوا أن لديهم من الفهم والوعي والإدراك ما جعلهم يحرصون على توطين الإسلام في الغرب.

ومع ذلك لا يكف اليمين المتطرف عن افتعال المعارك الجانبية وجر المسلمين إليها لاستدراجهم وإبعادهم عن ساحة العطاء والفعل الايجابي، فهذا التيار الشريك في الائتلاف الحاكم لا يروقه أن يرى أبناء المسلمين ناشطين في مجالات الطب والقانون وفي ميادين البرلمان والبلدية ومعترك الحياة بصفة عامة، لذلك رأيناه يخصص أسبوعاً لافتعال معركة حول النقاب، وأسبوعاً آخر حول المرأة وأسبوعا ثالثا حول الحرية، حتى ينشغل المسلمون بالرد وإطفاء الحرائق التي يشعلها في وسائل الإعلام، في محاولة منه لإشعال حالة من الجدل التي قد تؤدي إلى أعمال عنف.

هناك أيضاً تحديات ذاتية مرتبطة بالجالية المسلمة ذاتها، فإذا كانت الجالية التركية منسجمة ومتناغمة إلى حد كبير وقطعت شوطاً متقدماً في التآلف والتماسك، ولها مساجدها وأنشطتها، ففي المقابل نرى الجالية العربية مفككة ولا يوجد اتحاد يمثلهم أو يتحدث باسمهم، ومن المؤسف أن معظم هؤلاء جاءوا إلى الغرب في الستينيات والسبعينيات كعمال، وفهمهم للإسلام كان تقليدياً لا يتجاوز المسجد والصلوات الخمس، وبالتالي لم يستطيعوا مسايرة الواقع، كما أن النخب الإسلامية مع قلتها لا تؤدي دورها، أضف إلى ذلك أن بعض أبناء الجالية العربية انتقلوا إلى الغرب بمشكلاتهم وخلافاتهم.

لكنه مع مطلع التسعينيات وجدنا بعض أبناء الجالية قد أخذوا زمام المبادرة في السعي لتوحيد المسلمين، لكن تبقى هناك مشكلة أخرى وهي أن بعض الجهات العربية تتدخل في كل شيء وتحاول إجهاض أي مبادرة من شأنها توحيد صف المسلمين وتقوية شوكتهم، وكأنها تصطف مع تيار اليمين المتطرف في خندق واحد ليبقى المسلمون هامشيين وغير فاعلين.

*وكيف تتعاملون مع مثل هذه التحديات وخاصة المعارك التي يفتعلها اليمين المتطرف؟

لا أنكر أن هناك مستوى من الوعي والفهم والإدراك لدى قطاع من المسلمين، هذا القطاع اتخذ خطوات عملية وانشغل بتربية الشباب، وتبين ذلك عندما أساءت شخصية هولندية متطرفة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في احد أفلامها، لاستفزاز الشباب وتوريطه في ردود فعل وأعمال عنف، إلا أن الشباب تعامل بمسؤولية كبيرة، لاسيما بعد أن أطلق أئمة المساجد والدعاة خطابا معتدلاً إلى الشباب، طالبوهم بعدم الانزلاق في هذا الفخ الذي ينصبه أتباع التيار اليميني المتطرف، وبالفعل استجاب الشباب وتعاملوا مع هذا التحدي من خلال القضاء والمسيرات السلمية والدفاع عن الرسول، وكان لهذا الموقف العاقل والراشد بالغ الأثر الايجابي، الأمر الذي حدا بالحكومة أن تنحاز للمسلمين وتصدر بياناً أكدت فيه أنهم جزء من هذا الوطن، واستنكرت السلوك المتطرف لهذه الشخصية، وأكدت أنه لا يمثل الحكومة وأنها بريئة منه وأنه لا يمثل الشعب الهولندي.

والمشكلة أن هذا الحزب اليميني المتطرف يفتعل المعركة تلو الأخرى، لأنه يحمل أجندة لا تلبي احتياجات المجتمع الهولندي ولا تنسجم مع تطلعاته، فقد هدد الجالية المسلمة بنشر فلم "شريط فتنة"، وأخذ الإعلام يطبل له لمدة 8 أشهر، واكتسب الشريط زخمًا واسعًا قبل الإفصاح عن محتواه، وكان البعض يظن أنه سيتناول فشل الأقلية المسلمة في الاندماج، وإخفاقها في التعاطي مع الأحداث، وكانت الصدمة عندما نشر الفلم، وتبين أن أغلبية مادته تتناول قضايا تاريخية لا دخل للمجتمع الهولندي بها، اللهم إلا إثارة الغبار حول الجالية المسلمة.

التوطين الايجابي

*أشرت إلى أن المسلمين في الغرب يتجهون إلى الاندماج في المجتمع الغربي.. كيف يتم هذا التوطين بشكل ايجابي ودون ذوبان؟

اندماج المسلمين في المجتمع الغربي على ثلاث حالات، الأولى: الانصهار في المجتمع وثقافته بمستويات كبيرة، وظلت هذه الفئة معزولة، إلى أن عاد كثير منهم إلى الهوية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث كان الإعلام لا يفرق بين المسلمين وغيرهم، ولم يشفع له تخليهم عن دينهم وانصهارهم سلبياً في المجتمع.

الثانية: شريحة من المسلمين تقوقعوا حول أنفسهم، وترسخ في ذهنهم أنهم أجانب، وأنهم جاءوا إلى المجتمع الهولندي للعمل وسيعودون يوماً ما، وهذا بالطبع موقف سلبي.

الثالثة: وتعرف بالاندماج الايجابي، فقد تشكل الوعي الإسلامي لدى شريحة واسعة من الأجيال الثانية والثالثة، وجمعت هذه الفئة بين الحفاظ على هويتها الإسلامية وحقوق المواطنة.

* في ظل هذه المشكلات.. ما طبيعة دور المراكز الإسلامية لاحتوائها وتبصير الجالية بواجباتهم وحقوقهم؟

لا شك أن المراكز الإسلامية تقوم بدور كبير وفاعل في سياق الاندماج الايجابي، واستيعاب الشباب وتوعيتهم ومساعدتهم على الانتقال من دائرة الشعور بالاغتراب وكونهم مهاجرين إلى دائرة أنهم مسلمون هولنديون، لهم حقوق وعليهم واجبات.

كما تسعى المراكز الإسلامية لحث أبناء الجالية المسلمة على أن يكونوا مواطنين صالحين وإعطاء صورة ايجابية عن الإسلام، والتأكيد على أن المسلم ليس هو الشخص الخامل الذي يعتمد على الآخرين، وإنما الذي يكد ويعمل وينجح في عمله.

ولا شك أن هناك نقلة إيجابية في هذا الإطار، ففي السبعينيات وحتى التسعينيات، كانت الأجيال المسلمة الأولى تفرض على نفسها عزلة اختيارية، فالمسجد المغربي لا يدخله إلا المغاربة، والبقالة التي يملكها جزائري لا يرتادها إلا جزائريون، وكان المسلم إذا دخل مسجداً تركياً يشعر بالغربة، لكن مع الأجيال الثانية، اختلف الوضع، وتنامت الثقافة الإسلامية الهولندية، وأصبح كثير من المسلمين يتجهون نحو الأفضل بما يخدم الاندماج الايجابي والفعال.

قضية الحرية

*قضية الحرية في الغرب من القضايا القديمة الجديدة المثيرة للجدل كيف يتعامل المسلمون مع هذه القضية الشائكة؟

لا بد أن نؤكد أولاً أن الحرية التي حرم منها الداعية في معظم البلاد العربية، قد وجدها في الغرب عموماً وفي هولندا خصوصا بدعم وتشجيع من الدولة الهولندية، فعلى سبيل المثال أنا أعمل في المركز الاجتماعي الثقافي الإسلامي، وأتقاضى راتبي من الدولة، وهذا نهج الدولة الهولندية في دعم العاملين في مؤسسات المجتمع المدني، كما أن القانون الهولندي متسامح ويحمي الأقليات، ويساعدهم على ممارسة شعائرهم الدينية، وكل شخص هولندي يتمتع بكامل حقوقه مهما كانت ديانته، والإسلام يعد الديانة الثانية بعد المسيحية، ورغم عدم الاعتراف بالإسلام كدين إلا إننا نمارس شعائرنا بكل حرية ودون قيود، ولقد سعينا في عديد المناسبات للاعتراف بالدين الإسلامي، لكن من السلبيات التي تحول دون ذلك، عدم توحد المسلمين في كيان واحد أو اتحاد واحد، وهذا لو حدث لأصبح الأمر يسيرًا، والمشكلة أن الفسيفساء الموجودة في دولنا العربية والإسلامية انتقلت إلى الغرب عموماً وهولندا خصوصًا، ففضلاً عن الانقسامات على أساس الجنسية، هناك أيضا تشظيات على أساس الفكر.. والخطير في الأمر أن هذه الانقسامات الحادة قد تؤدي إلى تناحر المسلمين، أو تقوقعهم، ومن المؤسف أن هناك تيارات من الشرق والغرب تغذي هذه الخلافات، وهناك قوى غربية تريد النيل من وحدة المسلمين وشق صف الجالية المسلمة.

مبادرات المراكز الإسلامية والأئمة:

* وماذا عن محاولات التيار الوسطي لرأب الصدع بين "الفسيفساء" الإسلامية كما أطلقت عليها؟

لم تتوقف مبادرات تجمع الأئمة والمراكز الإسلامية والمساجد والمجلس الأوروبي للإفتاء عن إطلاق المبادرات التوعوية في هذا الشأن، فالمجلس الأوروبي يعد إطاراً مهماً لجمع الجالية المسلمة حول رؤية فقهية موحدة، وقد قطع المجلس شوطًا في هذا الإطار، أضف إلى ذلك أن اتحاد المنظمات الإسلامية في الدول الأوروبية والذي يضم المؤسسات الإسلامية الفاعلة ذات التوجه الوسطي له تأثير كبير جداً في أوروبا، ونحن جزء من هذا الاتحاد ونتواصل مع السلطات الهولندية ، وهى ترحب بهذا التعاون منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتجنيب البلاد ويلات العنف والصدام الحضاري.

مركز تربوي ثقافي:

*هل من مشاريع تعتزمون إنشائها في المرحلة المقبلة؟

بالفعل، يسعى المجتمع الإسلامي في هولندا لإقامة مشروع مركز تربوي ثقافي بمدينة روتردام، ونأمل من أهل الخير تقديم العون والمساعدة للحفاظ على الهوية الإسلامية وتعزيز قيمة التسامح بين أفراد المجتمع الهولندي.

ومن الجدير بالذكر أن البنك الإسلامي للتنمية بجدة قد وقع اتفاقية تعاون مع المركز الثقافي الاجتماعي في مدينة روتردام - بهولندا- وبموجبها يتعهد البنك بالمساهمة) بخمسمائة ألف دولار (من التكلفة الإجمالية لشراء المركز بضواحي مدينة روتردام في موقع متميز وبالقرب من مطار المدينة على أرض مساحتها 2500 متر مربع، مع حق ملكية الأرض المقامة عليها إضافة إلى مساحة تسع 30 موقفا للسيارات، ويتكون من: مصلى، معهد، مكتبة، قاعة متعددة المناشط، نادٍ للشباب، ومكاتب إدارية، ويسكن بجوار المركز أكثر من أربعة آلاف مسلم.

ويهدف المركز إلى الاعتناء بالتعليم والتكوين وتدريب الشباب وتمكينهم من اكتساب مهنة أو حرفة تساعدهم على الحصول على العيش الكريم في المجتمع، خاصة أن كثيرا من أبناء المسلمين لم يتمكنوا من إتمام دراستهم ولم يحصلوا على شهادات علمية تمكنهم من العمل، في الوقت الذي لا تلبي فيه مراكز التدريب المهني الحكومية الاحتياجات المتزايدة لأبناء المجتمع الإسلامي الهولندي غير القادرين على الالتحاق بالجامعة.

ويندرج مشروع المركز ضمن برنامج العمل المشترك بين المجتمع الإسلامي وجهاز البلدية سعيا للاندماج الايجابي للأقليات في المجتمع، وفي هذا الإطار قدمت السلطات الرسمية لمسلمي هولندا تسهيلات قانونية وإدارية كثيرة، وتبلغ تكلفة المشروع (مليون وثلاثمائة ألف يورو)، تبرع البنك الإسلامي للتنمية بـ(ستمائة وخمسون ألف يورو)، وما زال المسلمون يتطلعون إلى مساعدات أهل الخير لاستكمال المبلغ المتبقي وقدره (ستمائة وخمسون ألف يورو) لاستلام المكان ومباشرة النشاط الإسلامي من خلاله.

وفقنا الله لصالح القول والعمل، وفي الختام لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لمدير المركز الثقافي الإسلامي بهولندا/ خميس قشة، لما تفضل به علينا من علمه الوفير راجين المولى تبارك وتعالى له دوام الصحة والعافية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.