حوار مع الشيخ إسماعيل بن موسى منك مفتي زيمبابويمقالات

السيد عبدالرحمن

المصدر: شبكة الألوكة، نشر بتاريخ 13-3-1436هـ

 

• تصدِّي المسلمين للاستعمار البريطاني وقَف وراء تهميشهم وتحويلهم من أغلبية إلى أقلية.

• الصعوبات الجغرافية والأمية الدِّينية أكبرُ العراقيل أمام مسيرة الدعوة الإسلامية.

• الأوضاع الاقتصادية للمسلمين صعبة ومعقَّدة، وجهود رجال الأعمال الآسيويين لن تحُلَّ المشكلة.

• إصلاح المؤسسات التعليمية ضرورةٌ لتحسين أوضاع المسلمين.

• دعم الجمعيات الخيرية الإسلامية حدَّ من مخاطر الهجمة التنصيرية، وعزَّز دور الدعوة في أوساط الوثنيين.

• العربية تواجه تحديًا كبيرًا.

 

أكد الشيخ إسماعيل بن موسى منك مفتي زيمبابوي: أن مأساة المسلمين هناك شديدةُ الوطأة، لا سيما خلال العهد الاستعماري الذي تبنَّى حملات تصفية جسدية وتهجير ضد المسلمين للبلاد المجاورة، بشكل حوَّل زيمبابوي من دولة ذات أغلبية مسلمة إلى أقلية مستضعَفة تُعاني مشاكل عديدة.

وتابَع "منك" في حواره لـ: "الألوكة" بالتأكيد على أن أوضاع المسلمين قد تحسَّنت بعد خروج الاحتلال؛ حيث تعاطت السلطاتُ معهم بشكل إيجابي، وأقرّت قانونًا للحريات الدينية بشكل سمح للمسلمين بفتح مساجدهم وترمِيمها، بعد أن ظلت لسنوات مغلقة إبان العهد الاستعماري، ولفَت إلى أن الأوضاع الاقتصادية للمسلمين صعبةٌ ومعقّدة، غير أنها تحسنت في الفترة الأخيرة؛ حيث التحق العديد من وجهاء المسلمين بمهنة التجارة، وأنشؤوا مشروعات أسهمت في التخفيف من حدة أزمة البطالة، فضلاً عن وجود مشروعات يرعاها رجال أعمال مسلمون آسيويون.

وأشار إلى أن العمل الدعوي في زيمبابوي يحقق نجاحاتٍ، لا سيما في صفوف الوثنيين الذين تتجاوز أعدادهم 7 ملايين، لا سيما أن هناك إقبالاً منهم على اعتناق الإسلام رغم الإغراءات التي تقدِّمها العديدُ من المنظمات التنصيرية التي تنتشر في جهات عديدة بالبلاد.

التفاصيل الكاملة لأوضاع المسلمين كما يرويها مفتي زيمبابوي في السطور التالية:

لا يدرك الكثيرون مأساة مسلمي زيمبابوي الذين تحولوا من بلد ذي أغلبية مسلمة إلى أقلية مستضعفة؟

• تُعَد مأساة مسلمي زيمبابوي من أبشع المآسي التي مرَّ بها معتنقو الدِّين الحنيف في وسط وجنوب إفريقيا؛ حيث عانَوا طويلاً من جرائم الاستعمار البريطاني الذي استمرَّ رَدَحًا طويلاً، حتى انطلقت شمس الاستقلال عام 1980م؛ حيث واجهوا أبشع صور الإذلال؛ حيث كانت قوات الاحتلال البريطاني تنظِّم حفلات قنص ترفيهية للجنود لقتل أكبر عدد من مسلمي زيمبابوي؛ وذلك بهدف تصفيتهم، وإبقاء البلاد حكرًا على معتنقي الدِّين المسيحي، أو الوثنيين، أو الأقلية البيضاء، بل وقامت هذه القوات كذلك بالسعي لإغلاق عديدٍ من المساجد بزعم إيوائها لمقاتلين مناوئين لهم، وهو الإغلاق الذي استمرَّ لسنوات ما قبل الاستقلال، ولا يمكننا كذلك تجاهُل ما عانَوْه من ممارسات عنصرية على يدِ حُكم الأقلية البيضاء الذين أبقَوا المسلمين أسرى يعمَلون في مزارعهم بأجور بخسة، وظروف عمل قهرية، لا سيما في رودسي.

ما تداعيات هذه الممارسات على أوضاع المسلمين بشكل عام؟

• استمر الاحتلال في ممارسة أبشع وسائل الحصار والتهميش ضد المسلمين الذين تبلغ نسبتهم 3% من سكان زيمبابوي، البالغ تعدادهم 8 ملايين نسمة، يَدين أكثر من 75% منهم بالوثنية، فيما تصل أعداد المسيحيين هناك إلى 23%، وعلى رأس هذه التحديات قصر مؤسسات التعليم على البِيض، وحرمان الأغلبية السوداء منه، وحظر التحاق أي طفل أسود بهذه المدارس، لدرجة أن 97% من مسلمي زيمبابوي يعانون من الأمية، وذلك بعد قيام الاستعمار بإلغاء أكثرَ من 900 مدرسة، نسبة كبيرة منها مدارس إسلامية، ناهيك عن الفقر والبطالة التي تحاصر أكثرَ من 60% من المسلمين طوال الحِقبة الاستعمارية.

حملات تصفية:

هل شهدت أوضاع المسلمين تحسُّنًا بعد خروج البريطانيين من زيمبابوي عام 1980م؟

• كان المسلمون في زيمبابوي يشكِّلون أغلبية ساحقة داخل زيمبابوي، لدرجة أنهم تعدَّوا الـ 7 ملايين مسلم، إلا أن هذا العدد تراجع بعد الاتفاقية التي وضَعها ملِك زيمبابوي مع الإنجليز لاستغلال ثروات البلاد المعدنية، وهي الاتفاقيةُ التي عارَضها المسلمون بشكل كبير، أسهم في شن الاحتلال وأعوانه حملاتِ تصفية وتهجير في صفوفهم، جعَلت البعض يفرُّ إلى جنوب إفريقيا وناميبيا وموزامبيق وغيرها لتلافي مصير محتوم.

لا شك أن الأوضاع هذه قد تغيَّرت بشكل كبير بعد الاستقلال الذي حصلت عليه في ثمانينيات القرن الماضي فقط؟

• بالفعل، الأوضاع تغيَّرت بشكل شبه تام بعد حصول زيمبابوي على استقلالها؛ حيث أُعيد افتتاحُ المساجد التي أغلقها الاحتلالُ في إطار قانون الحرية الدينية الذي أقرَّته الحكومات الوطنية بعد الاستقلال، وكذلك افتتحت مئات من المدارس التي كان مصيرُها مماثلاً لسابقتها، وشهدت زيمبابوي حركة تأليف وترجمة فيما يتعلَّق بالكتب الدينية والمراجع، ونشطت مسيرة الدعوة إلى جميع بقاع زيمبابوي؛ وذلك لمعالجة وتطويق أحداث التمييز التي عانت منها طويلاً.

وامتدت التغييرات إلى الصعيد الاقتصادي، فقد شهدت أوضاع المسلمين تحسُّنًا مطّردًا؛ حيث استردوا عديدًا من المزارع التي نهبها البِيض وادَّعوا ملكيتَهم لها دون أدنى حق، وقد أسهم هذا التطور في تحولهم إلى أصحاب أملاكٍ، بدلاً من عملهم كأُجراءَ عانَوا طويلاً من الذل والقهر على يد الاستعمار وسَدَنته، فضلاً عن دخول الكثير منهم في معاملات تجارية، وهي المهنة التي كان الآسيويون قد احتكروها لمدة طويلة.

ما طبيعة الدور الذي قام به رجال الأعمال الآسيويون في دعم مسيرة الدعوة الإسلامية في زيمبابوي؟

• عدد من رجال الأعمال الآسيويين المسلمين قاموا بإنشاء عددٍ من المشروعات في مناطق المسلمين، أدَّت إلى استيعاب عمالة وفيرة مسلمة، وكذلك عملت المدارس الإسلامية الموجودة بقوَّة في العديد من مدن زيمبابوي على إيجاد نوع من النهضة التعليمية والدِّينية في البلاد بعد عقودٍ من حالة الظلام والجهل التي فُرِضت على مواطني زيمبابوي تحت رعاية الاحتلال، وجعلتهم غيرَ قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية والمعيشية.

نهضة إسلامية:

هل اقتصر التعليم الدِّيني في زيمبابوي على المدارس فقط أم امتد إلى المرحلة الجامعية؟

• هناك عدة كليات إسلامية، على رأسها كلية دار العلوم، وكذلك توجد أقسام للغة العربية والعلوم الإسلامية في جامعة هراري؛ حيث يدرس فيها خريجو المدارس الثانوية، فيما يتلقى عشرات من أبناء المسلمين مِنحًا دراسية لاستكمال تعليمهم الجامعي في العديد من الجامعات الإسلامية، مثل: الأزهر الشريف، وجامعات عديدة في سوريا، والأردن، والمملكة العربية السعودية؛ سعيًا لإيجاد نوع من النهضة الدِّينية تتصدى لمظاهر الانحلال التي تفشت إبان الحِقبة الاستعمارية، وكذلك ما أطلق عليه السماوات المفتوحة، ومشاكل البث الفضائي، والتي تحمل تأثيرًا بالغًا على المنظومة القيمية والأخلاقية لمسلمي زيمبابوي.

عقبات:

لفتت العديدُ من المصادر إلى احتواء أراضي زيمبابوي على عديد من أهم المخطوطات التي ترصد تأثير الحضارة الإسلامية على منطقة جنوب إفريقيا؟

• بالفعل تحتوي المكتبات الملحقة بالمساجد والمصليات الموجودة في زيمبابوي على مخطوطات تتحدث على العلاقات الوثيقة التي تربط بين الإسلام والقبائل الإفريقية، مثل: الزولو والشونا؛ حيث عثرت العديد من بعثات الآثار الدولية على هذه المخطوطات في أقبية المساجد، ولكن للأسف لم تَقُمْ حركة تحقيق لهذه المخطوطات بسبب افتقار الإمكانات المالية والفنية القادرة على ترجمة هذه المخطوطات من الإفريقية للعربية وبالعكس.

دعم ضروري:

على ذِكر العربية، كيف ترى واقع اللغة العربية في أوساط مسلمي زيمبابوي؟

• رغم تحقيق بعض النجاحات في مجال نشر اللغة العربية بين مسلمي زيمبابوي، فإن هذه الجهود لا زالت في مرحلة مبكرة جدًّا؛ حيث يتعلم عدد قليل من أبناء المسلمين في إحدى المدارس الإسلامية في هراري، ولكن افتقاد الإمكانات المادية، والمراجع، والكوادر القادرة على التدريس - يُعَد عقبة كبيرة، نحاول التغلب عليها حاليًّا عبر إنشاء مدرسة لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، وهو أمر يحظى بإجماع بين مسلمي البلاد الذين أبدوا حرصًا بالغًا على استصدار قرار حكومي يعطي حقوقًا لكل 20 أسرة في بناء مدرسة إسلامية.

غير أن هناك أمرًا مهمًّا أُحِب أن أشير إليه، ألا وهو حاجتنا للدعم العربي والإسلامي لمؤسسات التعليم في زيمبابوي عبر توسيع دائرة المنح، ودعم إنشاء جامعات متخصصة في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وهو ما سيحمل تأثيرًا إيجابيًّا على انتشار لغة القرآن الكريم بين مسلمي زيمبابوي.

تُعَد منطقة وسط وجنوب إفريقيا من المناطق التي يسيل لها لعاب منظمات التنصير؛ نظرًا لأوضاعها الاقتصادية المعقدة؟

• هناك نشاط تنصيري بارز في زيمبابوي، لا سيما في أوساط الوثنيين الذين يزيد عددهم على 7 ملايين نسمة، هذا العدد مستهدف بقوة من قِبَل عشرات من منظمات التنصير المختلفة، وفي مقدمتها الجمعية اللندنية لنشر النصرانية، وجمعية رسالات المسيحية، وجماعة سفراء السلام والتحالف المسيحي المبشر، فضلاً عن وجود مكثف للكنيسة الإصلاحية الأمريكية، وتركز أنشطة هذه المنظمات على هذه الأوساط؛ أملاً في تنصيرها، وهو ما يواجَهُ بقوة من قِبَل الوثنيين، فضلاً عن أن هناك دورًا دعَويًّا تقوم به الجمعيات الخيرية الإسلامية الموجودة في زيمبابوي.

ما هي أهم المنظمات الخيرية الإسلامية العاملة في زيمبابوي حاليًّا لمواجهة هذا المد التنصيري؟

• على رأسها جمعيةُ الدعوة الإسلامية العالمية، ولجنة مسلمي إفريقيا، ورابطة العالم الإسلامي، والتبليغ والدعوة، وهي جهود تحظى بقَبول في أوساط الوثنيين الذي اعتنق الآلافُ منهم الإسلام؛ وذلك للقوة الروحية التي يملكها، فضلاً عن وجود توافُق بين التقاليد التي تسُود هذه القبائل وتعاليم الإسلام، وحث الدِّين على احترام الكبير، والاعتراف بالفضل لأصحابه، والكرم والشهامة، وهي أمورٌ أسهمت في اعتناق المئات للإسلام، لدرجة أن أكثر من 300 شخص وثني ينتسبون إلى قبيلة الوارمبا قد أعلنوا إسلامَهم في يوم واحد بعد سماعِهم لإحدى خطب الجمعة.

أما فيما يخص استهداف المسلمين بحملات التنصير فهو ضعيفٌ جدًّا، وفي مراحله الأولى.

صعوبات:

هل يحظى هذا الوجود بترحيب من قِبَل الحكومة في هراري؟

• نعم، فهي قد أباحت الحرية الدينية لجميع المواطنين، وهو ما مكَّن هذه الهيئاتِ من الوجود، وتحقيق نجاحات دعوية كبيرة، غير أن هناك صعوبات تواجه هذا الدور الدعوي، لا سيما في المناطق الريفية؛ حيث تصطدمُ هذه الجماعات بصعوبات جغرافية وأميَّةٍ طاغية، تجعَلُ هذا الدور صعبًا جدًّا، غيرَ أن هذه العقباتِ مرشَّحةٌ للتذليل في السنوات القادمة في ظلِّ الإقبال على إنشاء مدارس، سواء أكانت مدارس عامة أم إسلامية في عدة مناطق في زيمبابوي.