الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب: 21].
إن على المسلم أن يتَّبِع هَدْيَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سائر أحواله ؛ فهو الرحمة المهداة ، والسراج المنير ، والأسوة الحسنة ، الذي مدح الله تعالى خُلقه في القرآن قائلاً: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
وإن هديَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم – يُضرَب به أروع الأمثال ، ففي بيته يكفي أن أول من آمن به من البشر على الإطلاق كانت زوجَه خديجةَ – رضي الله عنها – دون أن ترى معجزات ، أو أن يتنزَّل القرآن ؛ بل كان دليلها على صدق نبوَّته - صلى الله عليه وسلم - ما رأته من عظم أخلاقه ، وكريم خلاله ومكارمه ؛ فعندما رجع إليها من غار حراءَ خائفًا ، قالت له: «كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيك الله أَبَدًا ؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» رواه البخاريُّ ومسلم.
وقد سُئلت السيدة عائشة - رضي الله عنها -: ما كان - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مِهنَة – أي: خدمة – أهلِه ، فإذا حضرت الصلاةُ ، خَرَج إلى الصلاة» ، وفي رواية لأحمد: «كان بشرًا من البشر ، يَفْلي ثوبه ، ويحلِب شاته ، ويَخْدُمُ نفسَه» رواه البخاريُّ وأحمد.
أما تعامله - صلى الله عليه وسلم - مع زوجاته أمهات المؤمنين ، فكان - صلى الله عليه وسلم - حَسَنَ العِشرة للناس جميعًا ، ولزوجاته وأهل بيته خاصةً ، فمن ذلك:
- كان ينادي زوجه بترخيم اسمها ؛ تحبُّبًا إليها ؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَائِشُ ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ» قَالَتْ : فَقُلْتُ : وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. قَالَتْ : وَهُوَ يَرَى مَا لاَ أَرَى. رواه البخاريُّ ومسلم .
- وعَنْها أيضًا قَالَتْ : «كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ ، فَيَشْرَبُ ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ» رواه مسلم.
- ومن رعايته وعنايته - صلى الله عليه وسلم - بمشاعر أمهات المؤمنين أنه كان يعلم رضاها وغضبها من مجرَّد كلامها ؛ روى البخاريُّ ومسلم عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: « أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً ، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى ، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ » قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ.
- ومن تقرُّبه لنسائه وتحبُّبه إليهم مع دوام الودِّ ما روته عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ» رواه البخاريُّ ومسلم ، وعَنْها: «أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم- قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». رواه أبو داود وصحَّحه الألبانيُّ.
- وكان - صلى الله عليه وسلم – يسعى لإدخال السرور على أهله ؛ فعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا ، ثُمَّ قَالَ لِي: «تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ» فَسَابَقْتُهُ ، فَسَبَقْتُهُ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ» فَسَابَقْتُهُ ، فَسَبَقَنِي ، فَجَعَلَ يَضْحَكُ ، وَهُوَ يَقُولُ: «هَذِهِ بِتِلْكَ». رواه أحمد والنسائيُّ وصحَّحه الألبانيُّ.
- ولما رجع - صلى الله عليه وسلم - من غزوة خيبر ، وبنى بصَفيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ كان يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ ، فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ. رواه البخاريُّ.
- وكان - صلى الله عليه وسلم – يراضي زوجاتِه ويعدل بينهن ؛ فعن عائشة - رضي الله عنها – قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ». رواه البخاريُّ ومسلم.
- وكان صلى الله عليه وسلم يتعاهد أهله بالتعليم والتوجيه والدلالة على الخير: روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى ، وَهِيَ جَالِسَةٌ ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».
- وقد وجَّه صلى الله عليه وسلم الزوجين للتعاهد على الخير؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى ، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاء» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
- وكان - صلى الله عليه وسلم – يرعى حق زوجته وفاءً لها ، حتى بعد موتها ؛ روى البخاريُّ: عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ ، وَمَا رَأَيْتُهَا ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ ، فَيَقُولُ: «إِنَّهَا كَانَتْ ، وَكَانَتْ ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ».
قال ابن القيم – رحمه الله – " زاد المعاد في هدي خير العباد" (1/ 146): "وكانت سيرته مع أزواجه حُسنَ المعاشرة ، وحُسن الخُلق ، وكان يسرِّب إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها ، وكان إذا هَوِيت شيئًا لا محذورَ فيه ، تابعها عليه ، وكانت إذا شربت من الإناء ، أخذه فوضع فمَه في موضع فَمِها وشَرِب ، وكان إذا تعرَّقت عَرْقًا - وهو العظمُ الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها ، وكان يتَّكِئ في حجرها ، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها ، وربما كانت حائضًا.
وكان يأمرها وهي حائض فتتَّزِر ثم يباشرها ، وكان يقبِّلها وهو صائم ، وكان من لطفه وحُسن خُلقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب ، ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده ، وهي متَّكِئة على مَنكِبَيه تنظر ، وسابَقَها في السَّفَر على الأقدام مرتين ، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة. وكان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه ، فأيَّتُهن خرج سهمها خرج بها معه ، ولم يقض للبواقي شيئًا ، وإلى هذا ذهب الجمهور.
وكان يقول: «خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي» ، وربما مدَّ يده إلى بعض نسائه في حضرة باقيهن.
وكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه ، فدنا منهن واستقرأ أحوالهن ، فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة فخصَّها بالليل. وقالت عائشة: «كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في مُكثه عندهن في القسم ، وقلَّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعًا ، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو في نوبتها فيبيت عندها»".
فصلَّى الله وسلَّم على من قال: «خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي» رواه الترمذيُّ وقال: حديث حسن صحيح.
المستودع الدعوي الرقمي نسعى لتكوين أكبر مستودع معرفي ومعلوماتي للدعوة والدعاة حول العالم، من خلال توفير الملفات والتقارير والبيانات الخادمة للعاملين في الدعوة إلى الله.
اسأل بأي لغة. الإجابات مبنية على محتوى الموقع المفهرس مع توثيق المصادر.
