لماذا ينحرف الشباب عن الدين؟مقالات

/al7iah.org

 أهمية التنشئة الأولى:

- الانصراف عن الدين، أو الانحراف عن سبيله، ظاهرة عامة بين الشباب لا يمكن تجاهلها، فالشباب هم عتاد المجتمع في يومه وغده، وإذا حاد المجتمع عن سبيل الدين تحلل وتفكك وتهاوى، فما السر في هذا الانحراف الديني الذي لم يشهد له مجتمعنا نظيرًا؟ هل يقع الذنب على الشباب أنفسهم؟ أم على آبائهم ومربيهم؟

- الطفل في بداية حياته يتخذ من أمه ملجأً لهذا الاستقرار وهذه الطمأنينة، والوالد يعتبر في المنزل مصدر الشعور بالأمن لأبنائه وأفراد أسرته، وعندما يبلغ الطفل مرحلة الشباب، حيث تقل نزعته إلى الاعتماد على الوالدين ويبدأ في الاستقلال بنفسه، يمر بمرحلة حرجة بسبب ابتعاده عن مصادر الأمن والاطمئنان النفسي، وهنا يبدأ في التفكير في الدين ليجد فيه ما يبعث على الاطمئنان والاستقرار النفسي.

- عندما يفكر الشاب في الدين قد يمر بمرحلة من التردد بين الشك واليقين، لأنه يريد أن يَخبر كل شيء بنفسه، فيترك لخياله العِنان للتفكير، ويحاول أن يفسر لنفسه كثيرًا من المعتقدات، ونظرًا لنزعته إلى التحرر والاستقلال في هذه المرحلة من الحياة، فإنه عادة يعتمد على نفسه في البحث، ولا يحاول الالتجاء إلى الغير من ذوي الرأي في مثل هذه المسائل لينيروا له السبيل، وهنا يحدث أحد أمرين: إما أن يجد الشاب فيمن حوله من أفراد المجتمع المحيط من يدركون تمامًا طبيعة تفكيره في النواحي الدينية في هذه المرحلة فيقدمون له من الآراء والكتب والمثل العليا ما يوجهه إلى التفكير الصحيح في الدين، بحيث يصل إلى نوع من الاتزان النفسي الذي يتماشى مع تعاليم الدين الصحيحة، وإما أن ينشأ في وسط غير مدرك لهذه العوامل فيتخبط في تفكيره وقد يصل إلى الحقائق الدينية وقد لا يصل.. وهنا يُكمن سر الانحراف الديني عند بعض الشباب.

- هذا العامل النفسي هو المتصل بنزعة المراهق إلى التحرر في التفكير والبحث في الحقائق الدينية بنفسه ليس هو العامل الوحيد في الانحراف، فهناك أيضًا عوامل تتصل بطبيعة تفكير الشخص نفسه. فبعض الأشخاص بطبيعتهم لهم قدرة ضعيفة على التفكير السليم، ولذا يسهل انزلاقهم إلى الانحراف، وثمة أشخاص بطبيعتهم لا يقبلون على الاطلاع في الكتب والمصادر الدينية، ولذا يسهل عليهم الوقوع في المغالطات الدينية والابتعاد عن الطريق الديني الصحيح.

- هناك مجموعة أخرى من العوامل التي لا يصح تجاهلها، وهي عوامل البيئة المحيطة بالشاب منذ نشأته وفي مرحلة المراهقة على الخصوص، فالبيئة السمحة التي تفهم الدين وتسير على هداه في اعتدال، تساعد على السلوك الديني المعتدل عند الشباب، ولا نعني بالبيئة مجرد ظروف الحياة المنزلية وسلوك الأبوين في الأسرة وحسب، وإنما نعني أيضًا ما يحيط بالشاب من رفقاء وزملاء ونوع النشأة التي مروا بها، ودرجة التدين التي يتصفون بها، فالشباب في هذه المرحلة يميلون لحب التجمع ويتأثرون ببعضهم.

- إذا كان المجتمع صالحًا فإن فرص الانحراف أمام الشاب تقل نسبيًا عما إذا كان المجتمع غير صالح، أي أن انحراف الشباب يتوقف كثيرًا على سلامة المجتمع الذي ينشأ فيه، وعلى المبادئ التي يسير على هداها.

- يمكن أن تستخلص أهم عوامل الانحراف الديني عند الشباب في عوامل تتصل بالشخص نفسه من حيث استعداده العقلي وقدرته على التفكير، وعوامل تتصل بالنشأة المنزلية وما يسود فيها من نظم وقواعد تربوية وتمسك أو تهاون في الدين، وعوامل تتصل بالبيئة في المجتمع العام من رفقاء ومؤسسات وجمعيات، والطابع الاجتماعي العام، كما لا نهمل العوامل الجنسية باعتبارها من أقوى العوامل التي تحدث التغيير في شخصية الشاب في مرحلة المراهقة.

في المدرسة:

- يجب أن نفرق بين الانحراف وبين القلق المتعلق بالجوانب الدينية، الذي ينشأ عند الناشئة في دور المراهقة، لأن هذا القلق نتيجة لصراع بين القيم الاجتماعية الخارجية وبين حاجيات المراهق الفردية، ويزول هذا القلق إذا وُجه التوجيه الصالح من المشرفين على تربية الشباب، وإذا لم يجد هذا القلق التوجيه فإنه قد يصبح انحرافًا.

- معنى الانحراف عن الدين هو حيد الفرد عن مجموع الاتجاهات والتقاليد التي يعتبرها المجتمع ممثلة لمجموع الأفكار والاتجاهات التي يعبر عنها بالدين، والمسؤول عن التنشئة الاجتماعية عمومًا في أطوار النمو المختلفة هو المدرسة، بغض النظر عن نوع المرحلة ونوع التعليم.

- والدارس في أسس الدين الإسلامي يجد أنها مليئة بالحث على السعي لتحسين المستوى المادي والمعنوي، وإذا أردنا أن نحُول بين أطفالنا وبين هذا الحيد عن الدين، فيجب أن نسد الثغرة الواقعة بين التعاليم الدينية وبين مقتضيات المجتمع الصناعي.

عوامل اجتماعية للانحراف عن الدين:

1- ضعف التربية الدينية في المدارس، فبعض المدارس تُغفل نواحي التربية الدينية التي تتمثل في الأمور العملية وأخذ الشباب بالشعائر الدينية.

2- عدم محافظة الأسر، في المدن على الأخص، على قواعد الدين في معاملاتها واتصال أفرادها بعضهم ببعض.

3- انحدار بعض الصحف والمجلات في تيارات تغري الشباب بالخروج عن قواعد الدين، والتحرر من نظم الأخلاق الدينية.

- إن الفتى قد ينشأ في الأسرة فلا يجد أمامه قدوة طيبة تطبعه من أول الطريق على الغريزة الدينية السمحة، والتطبع بتعاليم الدين الكريمة، ونحن نعرف أن تأثير القدوة يفوق تأثير العظة القولية أو النضج الشفوي، وقد يعظ أحد الأفراد الكبار فردًا من الناشئين بعظة لها صبغة دينية وخلقية، فيقارن الناشئ بين مفهوم هذه العظة وبين تصرفات أفراد الأسرة المنحرفة عن تعاليم الدين وأحكامه فيقع في حيرة تُبلبل الخاطر ولا يستطيع التوفيق بين ما يسمع وما يرى.

- نلاحظ أن التربية الدينية في مختلف مراحل التعليم لا تستوي على الطريقة القويمة لأنها تعتمد أولًا على تلقين المعلومات دون أن تغمر هذه النصوص بروح قائلها وشارحها وموضحها، والمربي الديني لا ينجح في مهمته إلا إذا كان صاحب روح في دعوته، وصاحب تفنن في توجيهه، وكذلك لا نرى في هذه التربية الدينية عناية ملائمة بالتطبيق العملي لما يتلقاه الناشئ من نصوص دينية ومن قواعد روحية.

- فيلزم هنا أن يكون الاعتماد في التربية الدينية على مربين لهم إخلاص الدعاة أكثر من الاعتماد على معلمين لهم سعة المعرفة، والقدوة عند الأستاذ الموجه هي القطب المغناطيسي الذي يجذب تلاميذه وطلابه إلى ما يريد من صلاح ديني أو استقامة أخلاقية.

- قد يزوَّد الناشئ بجانب من الزاد الديني داخل المدرسة أو المعهد ثم يخرج إلى الشارع، أو يركب السيارة، أو يدخل النادي، أو يشاهد أفلامًا سينمائية، فإذا بالمحطِّمات القوية لما تلقَّى من زادٍ ديني، وإذا هو يجد بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله المغريات المادية والحسية والجنسية، تحرضه بشدة على الاستجابة لها والخنوع أمامها، وما يبنيه مئات المدرسين في سنة قد يهدمه شريط سينمائي واحد من النوع المتحلل في يوم أو ساعات!

0 شخص قام بالإعجاب