المسلمون في أوسيتيا الشمالية (1)مقالات


• تشغل "أوسيتيا الشمالية" موقعًا استراتيجيًّا في وسط جبال القوقاز، على ممر "كريستوفي".

• عُرِفتْ هذه المنطقة باسم (اللان) عند الجغرافيين المسلمين، وأطلق المؤرخون عليها وعلى ما جاورها من بلدان اسم "إقليم الرحاب".

• وصل الإسلام منطقة القوقاز وأوسيتيا الشمالية أثناء الفتوحات الإسلامية لبلاد الخزر في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي.

• انتشار الدعوة الإسلامية في "أوسيتيا الشمالية" يعود في المقام الأول إلى جهود جيرانهم "القبرطاي" الذين قاموا بجهد ملحوظ في نشر الإسلام بين السكان المحليين المجاورين لأرضهم.

• يرجح المؤرخون أن الإسلام بدأ بالانتشار فعليًّا في أوسيتيا خلال القرنين 14 و15 الميلاديين، خاصةً وأن العائلات النبيلة في المجتمع الأوسيتي فقط هي التي اعتنقت الإسلام، بينما بقيت الطبقات الأقل على دين المسيحية.

• استقر الإسلام في منطقة "أوسيتيا الشمالية".. أما المنطقة الجنوبية منها، المجاورة للكرج "جورجيا"، وإمارة الخزر، فقد ظلت على نصرانيتها.

• في القرن التاسع عشر الميلادي احتلت روسيا "أوسيتيا الشمالية" سنة 1778م.

•  قامت روسيا القيصرية بهدم كثير من المساجد التاريخية بأوسيتيا ومحاربة أي نشاط إسلامي.

• تدخل الشيوعيون سنة 1355 هـ/ 1936 م وقاموا بتقسيم هذا الشعب الواحد إلى قسمين في وحدتين إداريتين هما: جمهورية أوسيتيا الشمالية تتبع روسيا، وإقليم أوسيتيا الجنوبية يتبع جورجيا.

• عمد الشيوعيون لتفتيت وحدة الشعب الأوسيتي المسلم في كلتا المنطقتين، ومنع ممارسة أي نشاط إسلامي؛ لسابق تاريخ الأوسيتيين في مقاومة الروس.

• كان أهل "أوسيتيا الشمالية" يتميزون بأنهم جنود مقاتلون أشداء؛ لذا حرصت روسيا على إدخالهم الجيش السوفيتي، واستغلتهم في محاربة إخوانهم من المسلمين.

• الإحصائيات الرسمية للروس تورد نسبة المسلمين بأوسيتيا فيما بين 33 - 40 ٪، وهم يتبعون الإدارة الدينية لمسلمي شمال القفقاس.

• من أهم مساجد روسيا مسجد "فلاديقفقاز" أو "مسجد مختاروف" في عاصمة "أوسيتيا الشمالية"، ويعد أحد أهم معالم مدينة "فلاديقوقاز" التاريخية.

• حاول الشيوعيون الروس هدم المسجد عام 1934م؛ لكن تصدى لهم مسلمو "أوسيتيا الشمالية" وأوقفوا هدم المسجد، وحافظوا على وجوده ببلدهم.

 

نبذة عن جمهورية أوسيتيا الشمالية:

"أوسيتيا الشمالية" هي جمهورية ذاتية الحكم، تقع ضمن نطاق "روسيا الاتحادية"، تقع في القسم الأوسط من شمالي القوقاز، جنوبي روسيا، وتشغل موقعًا استراتيجيًّا في وسط جبال القوقاز، على ممر "كريستوفي"، تحدها جمهورية "إنغوشيا" شرقًا، وإقليم "ستافروبول" شمالًا، وجمهورية "كبارديا - بلكار" غربًا، وجمهورية "جورجيا" جنوبًا.

وتبلغ مساحتها 8 آلاف كيلومتر، وأرض أوسيتيا الشمالية جبلية، وتنبع منها روافد عديدة تتجه إلى نهر "ترك" و"الدون" وغيرهما، ومناخها بارد في الشتاء حيث تتساقط الثلوج وتغطي قمم الجبال لمدة طويلة، وبعضها يغطيه الثلج الدائم، وتصل الحرارة إلى دون مستوى التجمُّد، والصيف معتدل على المرتفعات، وتنتشر الغابات على السفوح، والبلد غنيَّةٌ بالموارد النفطية، وسكان الإقليم من "الأوستيين" و"الروس" كأغلبية، وينقسم "الأوسيتيون" إلى "إيرون" و"كودار" و"ديجور"، وعاصمتها "فلادي قفقاس" أو كما يُطلق عليها "فلاديقوقاز"[1].

ولقد عُرِفت هذه المنطقة باسم (اللان) عند الجغرافيين المسلمين، وأطلق المؤرخون عليها وعلى ما جاورها من بلدان اسم "إقليم الرحاب"؛ حيث توسَّع فيها المسلمون منذ القرن الأول الهجري، وعرفت الإسلام في وقت مبكر من حركة الفتوحات الإسلامية[2].

 

كيف دخل الإسلام أرض اللان؟

• وصلهم الإسلام مبكرًا كما أسلفنا؛ حيث غزتها الجيوش الإسلامية أثناء التوسُّع في فتح بلاد الخزر والكرج واللان، وكانت هذه الأجناس من القبائل المحلية تسكن تلك المنطقة من جبال القوقاز.

• ونجد أن الإسلام قد وصل منطقة القوقاز بالكامل منذ القرن الأول الهجري/ السابع الهجري، واتسع لمنطقة "أوسيتيا الشمالية" خلال القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وكانت البداية من إرسال الخليفة الراشد الفاروق "عمر بن الخطاب"، بعد فتح بلاد فارس، حملة بقيادة "سراقة بن عمرو" إلى قلعة "دربند" أو "الباب"، وهذه القلعة موجودة اليوم في جمهورية "داغستان"، وقد سمَّاها المسلمون كما في "تاريخ الطبري": "باب الأبواب"، لفتح منطقة القوقاز من الناحية الشمالية، وباستمرار الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" ومن بعده من حكام الدولة الأموية، دخل الإسلام منطقة "اللان" أجداد "الأوسيت".

• ويمكن القول أنه رغم معرفة أهل القوقاز بالإسلام منذ عهد مبكر، إلا أن الإسلام لم يستقر بين أبنائه إلا بعد سنوات بسبب ثورات السكان الجبليين المحليين ضد المسلمين أكثر من مرة خلال العهد الأموي والعباسي، ومناوئتهم الولاة المسلمين الذين كانوا كثيرًا ما يضطرون لإعادة فتح البلدان المتمردة وإخضاع أهلها بالقوة تارة وبالمعاهدات والصلح تارات أخرى[3].

• وهناك رأي أن انتشار الدعوة الإسلامية في "أوسيتيا الشمالية" يعود في المقام الأول إلى جهود جيرانهم "القبرطاي" الذين قاموا بجهد ملحوظ في نشر الإسلام بين السكان المحليين المجاورين لأرضهم.

• ويُرجِّح المؤرخون أن الإسلام بدأ بالانتشار فعليًّا في أوسيتيا خلال القرنين 14 و15 الميلاديين، خاصةً وأن العائلات النبيلة في المجتمع الأوسيتي فقط هي التي اعتنقت الإسلام، بينما بقيت الطبقات الأقل على دين المسيحية.

• وقد استقر الإسلام في منطقة "أوسيتيا الشمالية".. أما المنطقة الجنوبية منها، المجاورة للكرج "جورجيا"، و"إمارة الخزر"، فقد سارت فيها الدعوة ببطء؛ مما جعل القسم الشمالي من "أوسيتيا" أغلبية سكانه مسلمين، بينما "أوسيتيا الجنوبية" التي انضمت لجورجيا - من باب خطة الروس لتقسيم أوصال القوقاز - ظلت على نصرانيتها[4].

 

الروس يحتلون منطقة أوسيتيا:

اتجه القياصرة الروس لمحاولة احتلال منطقة القوقاز بأكملها، حيث تصدَّى لهم قادة المجاهدين بالمنطقة، وكانوا حجر عثرة في توسُّع الرُّوس بالمنطقة بعد القضاء على أغلب خانيات "القبيلة الذهبية" الإسلامية المجاورة لهم، واستغلت روسيا خلال ذلك الصراع صِلاتها العرقية (السلافية) والمذهبية (الأرثوذكسية) مع شعوب المنطقة من نفس العرق والمذهب لكسب تأييدهم خلال حروبها ضد المسلمين، وحدث تجاوب معها؛ مما زاد من قوة شوكتها وساعدها على ترسيخ إمبراطوريتها، وما لبث القوقاز أن سقط بدوره في أيدي الروس بعد تحالف القوى الكبرى وضعف الدولة العثمانية التي كانت راعية للإسلام بتلك المنطقة وقتذاك، وفي (القرن التاسع عشر الميلادي) احتلت روسيا "أوسيتيا الشمالية" سنة 1778م، واستمر حكمهم للبلاد حتى انتقلت السلطة في روسيا إلى أيدي السوفيت بعد قيام الثورة البلشفية 1917 م.

ولم تختلف سياسة قياصرة الروس في التعامل مع الأوسيتيين عن غيرهم من مسلمي المنطقة، فقد قامت روسيا القيصرية بهدم كثير من المساجد التاريخية بأوسيتيا ومحاربة أي نشاط إسلامي، وعند قيام الثورة البلشفية زاد الأمر سوءًا أن تدخل الشيوعيون سنة 1355 هـ/ 1936 م وقاموا بتقسيم هذا الشعب الواحد إلى قسمين في وحدتين إداريتين هما جمهورية أوسيتيا الشمالية ذات الحكم الذاتي، تابعة لروسية الاتحادية، و"إقليم أوسيتيا الجنوبية" مرتبط بدولة "جورجيا" التي أُسِّست عام 1922 م[5].

وكانت هذه الخطة لتفتيت وحدة المسلمين في ذلك الإقليم، وانتقامًا من شعوبه الذين قاوموا محاولات الروس للتمدد والتوسُّع في بلادهم عشرات السنين دون أي تهادن مع الروس، وكان أهل "أوسيتيا الشمالية" يتميَّزون بأنهم جنود مقاتلون أشداء؛ لذا حرصت روسيا على إدخالهم الجيش السوفيتي، والزج بهم عن عمد في معاركها مع الدولة العثمانية[6].

وحين أُبعِد أهل القفقاس الشمالي إلى آسيا الوسطى في الأربعينات، حصلت "أوسيتيا الشمالية" على أجزاء من أراضي "الإنغوش" الممتدة على طول الحدود الشرقية.

 

[1] الموسوعة الجغرافية للعالم الإسلامي، مج 14، منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1419 هـ - 1999م، صـ324.

[2] الأقليات المسلمة في أوروبا، سيد عبد المجيد بكر، سلسلة دعوة الحق، منشورات رابطة العالم الإسلامي، 1985 م، صـ179.

[3] القوقاز بين الفتح الإسلامي وتصدي القوى غير الإسلامية له، د. سعيد عبد الجواد أبو زيد، حولية كلية اللغة العربية بنين بجرجا- جامعة الأزهر، العدد السادس عشر، عام 1433 هـ - 2012 م، الجزء الثالث، صـ2579.

[4] المسلمون في الاتحاد السوفيتي عبر التاريخ، د. محمد علي البار، دار الشروق للنشر والتوزيع، 1983م، صـ165.

[5] شعوب شمال القفقاس، بدر الدين أواري الداغستاني، تحرير وتدقيق: ثناء صلاح الدين كم الماز، مكتبة الأسد- دمشق، 2012 م، صـ39.

[6] المسلمون في الاتحاد السوفيتي عبر التاريخ، د. محمد علي البار، صـ165.