حضارة الإسلام في إندونيسيا (1)مقالات


• ساهم المسلمون في أندونيسيا في نشاط حركة التجارة عالميًا، وأنشأ المسلمون محطات تجارية هامة في ملقا وجاوة وسومطرة وآتشيه.

• كان من أهم مظاهر الحياة الفكرية للشعب الأندونيسي بعد دخول الإسلام: إنشاء المعاهد الدينية ومحو الأمية بين الناس.

• تأثر الأدب الأندونيسي بالإسلام، وأصبح يكتب بالعربية، وصارت اللغات المحلية تكتب بالحروف العربية، وحلت الهوية الإسلامية محل الهندوكية في القصص والملاحم.

 

أرخبيل الملايو بعد دخول الإسلام:

دخل الإسلام أرخبيل جزر الملايو منذ القرن الأول الهجري، وساعد على ذلك الصلات التجارية بين العرب وأبناء جنوب شرق آسيا حتى فيما قبل الإسلام، ومع توطيد أركان الإسلام بدأت مظاهر حضارة عريقة في أندونيسيا استمرت مستقلة عدة قرون، قبل قدوم الحملات الاستعمارية، تمثلت في عدد من الممالك الإسلامية الزاهرة في "سومطرة" و"جاوة" و"آتشيه" و"بالي".

وتشكل الممالك الإسلامية التي قامت في أندونيسيًا جانبًا مشرفًا من حضارتنا الإسلامية العربية، لا سيما أنها وجدت في منطقة غير عربية أصلًا، ولم تدخل مطلقًا ضمن الحدود السياسية والجغرافية للدولة الإسلامية في أي عصر من عصورها!

وتقع مجموعة الجزر الأندونيسية منذ قديم الزمان ضمن الممر الحيوي بين قارتي آسيا وأستراليا، فهي تشكل معبرًا للهجرات، ومسلكًا تجاريًا بالغ الأهمية، وملتقى لكثير من التيارات الحضارية[1]، لذا لا ريب أن حركة الانتشار الإسلامي بتلك الجزر كان له عامل حيوي في إرساء معالم حضارية ميزت تلك المنطقة على وجه الخصوص بسمات شديدة الثراء والتنوع تمثلت في الآتي:

مراكز تجارية هامة:

أنشأ المسلمون لهم مراكزَ ومدنًا تجارية في مختلف جزر منطقة جنوب شرق آسيا والهند وصولًا للصين، وبازدياد حجم التبادل التجاري بين دول العالم القديم، اتسع النشاط التجاري الملاحي في المحيط الهندي، وأصبحت مدينة "كلة"[2] الواقعة في أرخبيل الملايو ثم ميناء "ملقا"[3] لاحقًا مركزًا تجاريًا رئيسيًا في المحيط الهندي، تلتقي فيها السفن العربية والصينية لتبادل البضائع.

وبما إنه من الطبيعي أن يمر التجار العرب والمسلمون وهم ينقلون سلعهم الى الصين، بمضايق أندونيسيا وماليزيا والجزر الأخرى التي تقع في منتصف الطريق بين الهند والصين، لذا عمدوا الى تأسيس مزيد من أماكن الاستقرار لهم في مختلف موانئ المحيط الهندي المهمة الواقعة على الطريق التجاري البحري بين بلاد العرب والصين، كما في سواحل جزيرة جاوة وسومطرة والهند وسرنديب، واتسمت مراكزهم في شتى هذه المناطق بالحيوية والنشاط والازدهار، إذ أصبحت جزيرة جاوة مركزًا تجاريًا عربيًا إسلاميًا فائق الاهمية في المنطقة[4].

وقد كانت معظم المدن والممالك الإسلامية بأندونيسيا كسلطنة (متارام) في وسط جاوة، وسلطنة (بانتام) في غربها، ومملكة "جوا" في جنوب جزيرة "سلاويسي" وغيرها من السلطنات الإسلامية بالجزر المتفرقة ذات نظام إداري قوي مما يسر من عمليات تنظيم التجارة، وإنشاء خط إمداد تجاري للمسلمين لقرون عدة، حتى انتبهت القوى الاستعمارية لثراء تلك المنطقة، فقد كانت تلك الممالك أغنى بلاد الله بالثروات والموارد الطبيعية كالمطاط، والشاي، والسكر، والبن، وزيت النخيل، وجوز الهند، وفول الصويا، والكتان، وغيرها، وفيها جميع أنواع البهارات، والعطور، وما لا يحصى من أنواع الفواكه والخضروات[5].

الحياة الفكرية في جنوب شرق آسيا:

كان من أهم مظاهر الإسلام في بلاد أندونيسيا انتشار اللغة العربية في المنطقة، ومحو الأمية المنتشرة بين سكان الجزر؛ حيث استطاعت اللغة العربية في ظل انتشار الإسلام بالمنطقة أن تصبح هي اللغة المقروءة والمكتوبة بعدما كانت اللغة السنسكريتية وبعض اللغات المحلية لاسيما الملاوية هي السائدة في المنطقة؛ ويرجع ذلك لمرونة اللغة العربية، والتزام أهل المنطقة بتعاليم الإسلام وتأثرهم بها، فشعوب أرخبيل الملايو أخذت عن العرب حروف الهجاء العربي وزادوا عليها الأصوات الخاصة بلغتهم وهي:-

1- حرف ( ج ) وله ثلاث نقط وهو ينطق عندهم تشا- و.

2- حرف ( غ ) عليها ثلاث نقط وتنطق نجا.

3- ( ف ) عليها ثلاث نقط وتنطق يا.

4- ( ك ) كاف فوقها نقطة وتنطق جا.

5- ( ث ) نون بثلاث نقط فوقها وتنطق نيا[6].

وقد أكدت الدراسات الحديثة التي تناولت أثر اللغة العربية في لغة المنطقة وجود حوالي (1353) كلمة عربية في لغة الملايو، ومن هنا تعد اللغة العربية الأوسع انتشارًا في المنطقة، وذلك لأنها أوسع مادةً وأكثر قدرة على مواكبة المعاني الجديدة.

ويرجع ذلك الانتشار لدور الدعاة العرب والشيوخ الذين نشروا - إلى جانب الإسلام في هذه المنطقة - اللغة العربية من خلال تعليمهم الناس القرآن الكريم وكتابته وتفسيره، وبالعربية كانت تؤدى الصلاة والعبادة، لذا كان لابد أن نلقي الضوء على أبرز هؤلاء الدعاة:

الدعاة العرب مع دخول الإسلام المنطقة:

• مولانا مالك إبراهيم: يرجع نسبه إلى الإمام زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما، وصل جزيرة جاوة واستقر بها، وأخذ يدعو الهندوس والبوذيون، وانتشرت دعوته بشكل كبير بين أهل الجزر مما جعله يوجه الدعوة لإمبراطور مملكة "ماجاباهيت" الهندوسية، واتخذ من مدينة "جرسيك" في جزيرة "جاوة" مركزًا لنشاطه، وافتتح بها مركزًا تعليميًا إسلاميًا أصبح يعرف باسم (سيدا سريما)، فضلًا عن تأسيسه مسجدًا ما يزال يؤمه الناس للصلاة حتى اليوم[7].

ويعود إليه الفضل في إنشاء جيل من الدعاة الذي بادروا لفتح المدارس الإسلامية المعروفة في إندونيسيا باسم (البسنترين)، وقد توفى سنة 822 هـ/1419 م بعد نشره مبادئ الإسلام بالمنطقة.

• الشريف رادين رحمات: وهو من أب عربي وأم جاوية كان والدها ملكًا على ولاية "شمفا" بسومطرة، أرسله أبوه الى عمه ملك "ماجاباهيت" لنشر الإسلام هناك. وقد تزوج الداعية "رادين رحمات" بأميرة من الأسرة الحاكمة أحبت الإسلام واعتنقته، وعملا على نشره معًا في الجزيرة، وقد اهتم الشريف رادين بإرسال الدعاة لمختلف الأماكن بأندونيسيا، ومنهم تلميذه "الشيخ خليفة حسين" الذي أرسله إلى جزيرة "مادورة"، والذي تمكن من تحويل أهلها للإسلام[8].

• مولانا إسحاق: كان طبيبًا بارعًا، أرسله أبوه لمراكز الدعوة الإسلامية في جزيرة "ملقا"، فبقي فيها ثلاثة أعوام يدرس على يد شيوخها وعلمائها، ثم عاد بعدها الى جزيرة جرسيك (Gersik) ليتخذ منها مركزًا لنشر الإسلام، فأسس فيها مسجدًا ومدرسة، فضلًا عن مدينة سكنية للطلاب وبمرور الزمن اتسعت هذه المدرسة وأصبحت مؤسسة هدفها نشر الإسلام[9].

• أورانج مودا محمد سعيد: وهو أول داعية مسلم استطاع ان يجذب جموعًا كبيرة إلى الإسلام في المنطقة وذلك عن طريق استخدامه التمثيل المسرحي (Wayrngkulit) وهو أحد الفنون المحببة والشائعة بين الأهالي[10].

• السيد فتح الله: ويسمى أيضًا "هداية الله اوسونا تولون جاتى"، ويعد مؤسس مملكتي بانتام وتشربون الإسلاميتين، وُصِفَ بأنه عالم فقيه وداعية ممتاز وقائد عسكري شارك بعد ذلك في مقاومة الاستعمار البرتغالي، وله الفضل في بناء مدينة "جاكرتا" التي جعلها القائد الداعية حصنًا للدفاع عن المسلمين في جاوة ضد البرتغاليين، وأطلق عليها اسم "المدينة المنتصرة"، فاسمها مركب من (Jaya) بمعنى منتصرة و (Barta) أي المدينة[11].

• العالم الداعية عبد الله عارف: وهو من أشهر الدعاة الذين كان لهم باع كبير في نشر الإسلام في شمال جزيرة سومطرة، تخرج على يديه عدد كبير من طلبته، كان من بينهم تلميذ له يسمى "برهان الدين"، قام بنشر الدعوة حتى الساحل الغربي لجزيرة سومطرة[12].

دعاة محليون:

وقد أسس هؤلاء الدعاة جيلًا من الدعاة المحليين، أخذوا على عاتقهم نشر الدعوة، وإنشاء المدارس والمساجد وتأليف الكتب الدعوية كان منهم: الشيخ "شمس الدين السومطراني"، والشيخ "نور الدين الترانيري"، و"رادين باكو" أحد أمراء جاوة المسلمين، والشيخ "داتوري باندانغ"، والشيخ "فاتى أونس"- وهو تحريف للاسم العربي الفتى يونس، والشيخ "عبد الرؤوف" الذي عمل على نشر الإسلام وتعاليمه، ولا سيما عن طريق الترجمة؛ فقد ترجم عددًا من كتب التفسير إلى اللغة الملاوية، وكانت بلدته "آتشيه" تسمى (مكة الثانية).

 

[1]  حضارتنا في أندونيسيا، محمد أحمد السنباطي، ط1، دار القلم، الكويت، 1982، صـ18.

[2]  "كلة" من بلاد الملايو تقع في منتصف الطريق بين عمان والصين، كانت مركزًا تجاريًا مهمًا حلت محلها فيما بعد "ملقا" والتي تأسست فيها مملكة إسلامية في عام 1400 م تقريبًا من قبل السلطان "باراميسوارا" والذي تسمى باسم "محمد إسكندر شاه".

[3]  الأصول التاريخية للإسلام في أندونيسيا، فيصل السامر، مجلة الأقلام، ج 7، السنة الخامسة، 19، صـ 145

[4]  العلاقات التجارية بين الهند والعرب من القرن العاشر قبل الميلاد الى العصر الحديث، مقبول أحمد، مجلة ثقافة الهند، مج 16، ع 1965، 1، صـ 3.

[5]  مختصر كتاب البلدان، أبو بكر أحمد بن محمد بن الفقيه الهمذاني، طبعة ليدن، 1303 هـ، صـ10.

[6] أثر الإسلام وثقافته في الحضارة الملايوية، روسني بن سامة، مجلة الجامعة الإسلامية، السنة الثالثة، ع 6، ماليزيا، 1999،  صـ 212.

  [7]أندونيسيا المسلمة وتغلغل الاسلام في كيانها، قيس التميمي، مجلة المسلمون، ع 5، مج 8، 1964 م، صـ 41.

[8] الإسلام في أرخبيل الملايو، رؤوف شلبي، مطبعة السعادة، 1980 م،  صـ 84.

[9] الإسلام في أرخبيل الملايو، صـ 84.

[10] الإسلام في أرخبيل الملايو، صـ 85.

[11] الإسلام في أرخبيل الملايو، صـ 189.

[12] الاسلام الفاتح، حسين مؤنس، مطبعة الزهراء، 1987 م، صـ 4.