من قسيس إلى داعية إسلاميمقالات

محمد كومني

المصدر: مجلة الكوثر – السنة الثالثة – العدد 46 - جمادى الآخرة - رجب 1424 ه – أغسطس 2002 م. – (ص36 – 39).

 

أسلم جورج فأسلم معه كل أتباع كنيسته التي حولها إلى مسجد

الحاج (رشيد شاي مكتوب) أول مسلم من أبناء قبيلة غريامة يذهب إلى الديار المقدسة لأداء الفريضة الخامسة على يد لجنة مسلمي إفريقيا. ولد مسيحيا وتربى في أحضان الكنيسة البروتستانتية حتى أصبح قسيسا بكنيسة الرب، ومندوبا وراعيا لها في مقاطعة فيتينغيني من سنة 1938 حتى اعتناقه الإسلام سنة 1993. كان الحاج رشيد قبل إسلامه من أشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين.

ولكن الله تعالى مَنَّ عليه بنعمة الإسلام ليتغير مسار حياته من قسيس نصراني إلى داعية مسلم وقد أسلم معه يوم إعلان إسلامه كل أتباع كنيسته الذين قدروا بثلاثمائة شخص، وحول الكنيسة الطينية التي أقامها على قطعة أرض له إلى مسجد، ثم من الله عليه بنعمة أداء فريضة الحج التي غيرت مسار حياته مرة أخرى، وزادت من حبه للإسلام والدعوة إلى الله تعالى ليهب نفسه للدعوة في سبيل الله، ويضع نصب عينيه إعادة بني قومه إلى دينهم الأصلي: الإسلام، وبعد عودته مباشرة من الديار المقدسة، هدى الله على يديه أزيد من مائة من أبناء قريته إلى الإسلام بعدما كانوا مسيحيين. وقد أجرينا معه هذا الحوار على هامش حفل أقيم للمهتدين الجدد بقريته.

 

* الحاج رشيد هل لكم أن تحدثونا عن كيفية اعتناقكم الإسلام؟

لقد كنت قسيسا للكنيسة وممثلا لها في منطقتي. وكنت أدعى جورج شاي مكتوب. وقد قضيت مدة تزيد عن الـخـمـسـيـن عـامـا فـي هـذا الـمـنصب، اطلعت خـلالـهـا عـلـى كـل ما جاء في الإنجيل من آيات وسور وقصص عن عيسى وحـواريـيـه.. واكتشفت أن مـا يسمـيـه الـمـسـيـحـيـون الكتاب المقدس كتب بـعـد الصـلـب الـمـزعـوم لـلـمسـيـح بـحـوالـي مـائـة عـام عـلـى يـد بـولس الرسول وغيره. كما اكتشفت من خلال الـكـتـاب الـمـقـدس أن عيسى عليه السلام - كان نبيا ولم يكن ابن الله أو إلـهـا كـمـا يـزعـمـون. وقد أشار الكتاب الـمـقـدس إلى أن عـيسـى عليه السلام لـم يـدخـل الكنيسة قط ولم يأمر ببنائها، بل كان يؤدي صلواته في المعابد التي تشبه الـمسـاجـد عـنـد الـمـسـلـمين. وقرأت في الكتاب المقدس أيضاً أن الختان ليس من عادات المسيحيين وأنه لا يدخل الكنيسة من كان مختونا، وهذا كلام بولس الـرسـول بـالـطـبـع ولـيس عيسى الـمـسـيـح عـلـيـه السلام. فقد أمر الـمـسـيـح بـالـخـتـان وكـان مـخـتـونـا وعرفت أن الـديـن الـوحـيـد الـذي يـأمر بالختان هو الإسلام. ومن عادتنا نحن أهـل غـريـامـة أن يـخـتـن الصـبـي بـه الأول ولا مـكـان لـغير المختونين في قـبـيـلـتـنـا مـن هـنا توصلت إلى أن ديننا الأصلي نحن أهل غريامة هـو الإسلام، وأن مـكـانـنـا الحقيقي الذي يجب علينا أن نتواجد فيه هو المسجد. فنطقت بالشهادتين أمام الملأ وتبعني ثلاثمائة شخص من أتباع كنيستي في نفس اليوم، وحولت الكنيسة التابع لي والمقام على أرضـي إلى مسـجـد، ولـكـن الكنيسة لم تـدعـنـي وشـأنـي حـيـث قاموا بإغرائي أولا، ولـمـا امـتـنـعت أخـذوا مـنـي كـل الامتيازات التي كنت أتمتع بها، وأولها راتـبـي الشـهـري الـذي كـنت أتـقـاضـاه منهم، والعطايا التي كانت تجمع لي من قبل أتباع الكنيسة في كل المنطقة كنت مـنـدوبـا فيهـا والسـيـارة. ولكني مازلت مصرا على اتباع عقيدة التوحيد.

 

* كيف كان شعوركم عند تلقيكم نبأ الذهاب إلى الحج، وكيف كان تصوركم له قبل ذلك؟

عندما كنت مسيحيا كنت أقرأ عن نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل وعن بناء بيت اسمه الكعبة، وكنت أعتقد أن هذا ضرب من التاريخ فقط، ولم يعد مـكـان فـي يـومـنـا هـذا. ولـمـا أسـلـمـت عرفت أن الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، وأن الذهاب اليه واجب شرعي على القادر، ولم أتصور أن أحظى يوما ما بفرصة أداء هذه الفريضة. لهذا فقد كان خبر الذهاب إلى مكة مفاجأة لم أتـوقـعـهـا قـط فـي حـيـاتـي. وقد حاول أبـنـائـي وأقـربـائـي منعي من الذهـاب خوفا على من الموت أو عدم العودة ولـكـنـنـي اصـررت عـلـى مـوقـفـي مهما كلفني الأمر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أبناء غريامة يعتقدون أن كل من يذهب إلى الحج لن يعود إلى بلاده أبدا بـل يصـعـد مـن هـنـاك مـبـاشرة إلى السماء. وقد تخلف زميلي الذي رشح هو الآخر لمرافقتي إلى الحج خوفا من هذه الخرافة. لقد بكت على كل الأسرة وأنا أودعهم. ولم يكن أحد منهم يتوقع عودتي للديار سالما. في الحقيقة، لقد غیر ذهابي إلى الحج وعودتي تصور الناس الخاطئ له.

 

* كيف وجدت الديار المقدسة؟

في الحقيقة لم أكن أتصور أن أكون وسط هذا الازدحام الكبير الذي شهدته فـي مـكـة كـمـا لـم أعش فـي حـيـاتـي مواقف إيمانية مثلما عشتها في الحج جمعت مـكـة كـل شـعـوب الـعـالـم وجـنـسـيـاتـه، فـأدركت أن الإسلام دين العالمين وليس للعرب فقط كما يعتقد الـكـثـيـرون. وأدركت معنى «الحمد لله رب الـعـالـمـيـن» الـتـي نـقـرؤهـا نحن الـمـسـلـمـيـن أكـثـر مـن عشرين مرة في اليوم.

 

* ما التغيير الذي أحدثه الحج في حياتكم؟

لقد أصـبـحت أعـتـقـد مـنـذ اعـتـنـاق الإسلام أنـه هـو ديـن الـحـق. وكنت أتحرك كلما سنحت لي الفرصة لدعوة بني قومي. أي أنني كنت فقط استقطع ممـا فـضـل مـن وقـتـي لـلـدعـوة. ولكن اعـتـقـادي ازداد بـل تضـاعـف مـبـاشرة بعد أداء الفريضة التي قربتني من الله تعالى، وتضـاعـف بسـبـبـهـا نشـاطي الدعوي. وهبت نفسي لدعوة بني قـومـي وإرجـاعـهـم إلى دينهم الأصلي الإسلام. وبدأت أول ما بدأت به قريتي التي أسلم فيها أزيد من مائة شخص بعـد عـودتـي مـبـاشرة من الحج بعدما كانوا كلهم مسيحيين.

 فأغلقت الكنيسة التي كانوا يتعبدون فيها. لقد كنت قبل ذهابي إلى الحج مثل الممرض الذي يداوي الـجـروح والـخـدوش وصـداع الـرأس والـبـطـن فـقـط. أمـا بـعد ذهـابي وعـودتـي مـن الـحـج، فصرت كالطبيب الذي حصل على دبلوم عال يمكنه من الـقـيـام بـالـعـمـلـيـات الجراحية المعقدة جدا. لقد تغيرت من ذلك الداعية البسيط المحدود الـحـركـة إلى داعـيـة يـحـاول اصلاح بني قومه كلهم وإرجاعهم إلى دينهم الأصلي بما أوتيت من قوة.

 

* كيف ترى مستقبل الدعوة في المنطقة؟

لقد دخلت المسيحية إلى البلاد قبل حوالي مائة سنة على يد المستكشفين وتجار الرقيق الأوربيين بحجة تحرير الإنسان الإفريقي من العبودية والرق. بينما وصل الإسلام إلى المنطقة عن طريق التجار العرب والمسلمين الأوائل الـذيـن نشروا الإسلام بحميد أخلاقهم قبل مئات السنين. لقد قام المبشرون بإنشـاء كـنـيـسـتـيـن هـمـا فـري تـاون FREE TOWN بممـبـاسـا وكنيسة MISSION SOCIETY في رباي وتسمى أيضا كنيسة الدكتور كرافت نسبة إلى مؤسسـهـا وقـد أقـام الـمـبـشـرون مـعـسـكـريـن لأبـنـاء الـمـنـطـقـة فـي كلا الـكـنـيـسـتـيـن لـيـؤسسـوا نـواة مـن المسيحيين الأفارقة. وساهم هذا في طـمـس الـهـويـة الإسلامية للإنسان الـغـريـامـي ولـجـوء الـغـالـبـيـة العظمى منهم إلى داخل الغابات هروبا بدينهم وخـوفـا عـلـى أبـنـائـهـم مـن الـرق والـعـبـوديـة الـتـي كـان يـمـارسـهـا من يسمون بالمستكشفين الأوروبيين. وقد ازداد الـنشـاط الـكـنـسـي بـالـمنطقة في الـعـقـود الأخـيـرة، بـيـنـمـا انـحسـر دور الـعـرب المسلمين فـي الاهـتـمـام بالتجارة فقط داخل المدن. وقد أدت كـل هـذه الـعـوامـل إلى طمس الـهـويـة الإسلامية للأجيال الجديدة من أبناء المنطقة ووقوعهم فريسة سهلة في يد المبشرين. ورغم ذلك فأنك ترى أن شيء في المنطقة يدل على أن الإسلام كـان الـمـاضـي الـقـريب. فأسماؤنا مسلمة، وعادات الغالبية منا تـوافـق تـعـالـيـم الإسلامي وسننه، مثل الـخـتـان ودفـن الـمـيت، والامتناع عن أكل الجيف وما لم يذكر عليه اسم الله كما أن لدينا قابلية كبيرة جدا للدخول في الإسلام أو بالأحرى العودة إليه. ولو اهتم العرب مرة أخرى بالمنطقة ودخلوا غاباتها وأدغالها، لعاد الناس كلهم أو على الأقل الغالبية منهم إلى الإسلام في زمن قياسي جدا. فنحن لا نرى في المنطقة سوی منظمة إسلامية وحـيـدة تـهـتـم بـالـدعـوة وهي – لجنة مسـلـمـي افـريـقـيـا – وبعض الحركات الـفـرديـة الـمـحتشمة، بينما تهتم بـاقي الـمـنـظـمـات الإسلامية الأخرى بالعمل في المدن فقط. واسمحوا لي أن أستغل هـذه الـفـرصـة لأوجـه نـداء إلى كـافـة المنظمات الإسلامية للاهتمام بأبناء غـريـامـة وتسيير قوافل لدعوة الناس وإرشـادهـم داخـل الـغـابـات. كما أدعو كافة المحسنين لبناء مساجد ومدارس إسلامـيـة بـالـغـابـة وتـوفـيـر أئـمـة ومـدرسـيـن ودعـاة لـتـعـلـيـم أبـنـاء المسلمين وإنقاذهم من براثن الجهل والـتـخـلـف، وحـمـايـتـهـم مـن الـكنيسة ولإرشاد الناس إلى الحق.

 

* ماهي أمنيتكم؟

- أتمنى أن يأتي يوم يعود فيه كل أبناء غريامة للإسلام.

 كمـا أتـمـنـى أن أتـمـكـن من إصلاح ما أفسدته عندما كنت مسيحيا. وأتمنى أن يحصل عدد أكبر من أبناء غريامة على فـرصـة الـذهـاب إلى الـحـج فـي الـمرة المقبلة لاعتقادي الجازم أن هذا أحد أهم السبل لتغيير واقع قومي واقناعهم بالعودة إلى الإسلام.