المسلمون في الجنوب الإفريقي: نجاحات الماضي وتطلعات المستقبلمقالات

آدم بمبا

المصدر: شبكة الألوكة 12/ 6/ 2014، نقلًا عن مجلة قراءات إفريقية - العدد الرابع - ذو الحجة 1430هـ / سبتمبر 2009م.

 

يستهدف هذا المقال ما يتوقع التوصل إليه - بإذن الله - من استكشاف بعض جوانب المدِّ الإسلاميِّ في منطقة الجنوب الإفريقيِّ، وما حققه من إنجازات حضارية في هذا الجزء من القارَّة الإفريقيَّة، وبالتالي ما يمكن أن يُحقِّقه المسلمون في الحاضر والمستقبل من إنجازاتٍ بناءً على تلك المعطيات، ولا شكَّ أنَّ لمثل هذه الدِّراسة أهميَّة في التعرف على تاريخ الإسلام بالقارَّة؛ لكون هذه المنطقة ثالثة المنافذ الرَّئيسة التي نفذ منها الإسلامُ إلى عمق القارَّة الإفريقيَّة[1].

 يقع الجنوب الإفريقيُّ بين المحيط الهنديِّ والمحيط الأطلسيِّ، وهي منطقة مترامية تضمُّ في الجغرافيّة السِّياسيَّة الحديثة دُولاً كثيرةً مثل: بتسوانا، وجمهوريَّة جنوب إفريقيا، وزامبيا، وزيمبابوي، وسوازيلاند، وليسوتو، وملاوي، وموزمبيق، وناميبيا. ويُطلق بعض الجغرافيِّين على هذه المنطقة مصطلح "جنوب ليمبوبو" (Limpopo)، أو ما وراء نهر "زامبيزي"[2] Zambezi .

 تتميَّز هذه المنطقة بتتوع المناخ، ففي الجزء الشَّرقيِّ منها المحاذي للمحيط الهنديِّ تمتدُّ الغابات الاستوائيَّة، وسلاسل جبال "دراكنسبرغ" (Drakensberg) الوعرة، وتمتدُّ في الجزء الغربيِّ منها صحراء كلاهاري، وصحراء كارو. وفي الجزء الشَّماليِّ منها أنهارٌ كبرى؛ مثل: نهر ليمبوبو، ونهر أورنجْ (Orange)، ونهر زامبيزي، وتعيش في منطقة الجنوب الإفريقيِّ قبائل رعويَّة وزراعيَّة عديدة أكبرها: الخويْ سان (Khoisan)، الخوسا (Xhosa)، سونغا (Tsonga)، السوتو (Sotho)، سوانا (Tswana)، الزُّولو (Zulu)، وناما (Nama)، وتعيش نسبة (90%) من سكَّان هذه المنطقة في الجزء الشَّرقيِّ منها[3].

 العرب والمسلمون والجنوب الإفريقي:

عرف الجغرافيِّون العرب والمسلمون منطقة الجنوب الإفريقي قبل التَّطوُّر الملاحيِّ في القرن الخامس عشر الميلاديِّ، وكانت تُسمَّى في أدبيَّاتهم الجغرافيَّة والتَّاريخيَّة ببلاد "ما وراء سفالة" (Sufala)، أو "الواق واق". و(سفالة). كما قالوا: آخرُ مدينةٍ تُعرف بأرض الزِّنج، وكانت مشهورة لدى العرب بالذَّهب، حتى إنَّهم أضافوها إلى المدينة فقالوا (سفالة الذَّهب). وفيها تُذكر قصَّة التُّجار العرب الأوائل الذين كانوا يجلبون الأمتعة إلى السُّكان المحلِّيين، فيتركونها على الشَّاطئ ويمضون، فيأتي السُّكان فيأخذونها ويضعون ثمنها ذهبًا خالصًا، فيأتي التُّجار ثانيةً ويأخذون الذَّهب.[4] وقد أوضحوا أنَّ أرض سفالة متَّصلة بأرض الواق واق، وهي جنوب إفريقيا اليوم، وذلك واضحٌ في قول ابن خلدون (ت808هـ) في وصفه للأقاليم: "... ثم بلد مقدشو، ثم بلد سفالة، وأرض الواق واق، وأممٌ أخر ليس بعدهم إلا القفارُ والخلاء"[5]، وقد توَّج الإدريسيُّ ذلك كلَّه برسمه لخارطة العالَم عام (804هـ/1154)، التي تُعدُّ أوَّل خارطة مفصَّلة للكرة الأرضيَّة، وفيها رسمٌ شبه دقيقٍ للجنوب الإفريقيِّ.

 عليه، يتأكَّد أن الجغرافيِّين العرب والمسلمين، قد عرفوا هذه المنطقة، وخاض بعضهم بعض أرجائها كالمسعودي مثلا. أمَّا سفالة التي كانت مقصدهم، فما زالت موجودة بهذا الاسم، وهي ميناءٌ في موزامبيق، وتعدُّ جزءًا من منطقة الجنوب الإفريقيِّ.

 أما عن علاقة سكان تلك المنطقة القديمة بالعرب والمسلمين، فلم يخلُ مصدرٌ تاريخيٌّ أو جغرافيٌّ تناولَ هذه المنطقة بالحديث، عن الإشارة إلى تلك العلاقات، من ذلك قول المسعودي: "أهل المراكب من العمانيِّين يقطعون هذا الخليج إلى جزيرة قنبلو من بحر الزِّنج، وفي هذه المدينة مسلمون بين الكفار من الزِّنج"[6]، وقنبلو تلك، يغلب الظنُّ أنَّها جزيرة مدغشقر الحاليَّة، وقد ذكر المسعودي في موضع آخر أنَّ المسلمين يحكمون بها، قال: "... فيها خلائق من المسلمين يتوارثونها ملوك من المسلمين، يقال لها قنبلو"[7].

 هذا عن العلاقات العربيَّة والإسلاميَّة المباشرة من قِبَل الشَّمال (جزيرة العرب)، ومن شرق إفريقيا، مع منطقة الجنوب الإفريقي. أما عن التَّأثير الإسلاميِّ القادم من الشَّرق (بلاد الجاوة)، فليس بين المؤرِّخين أو الأنثربولوجيِّين (المختصون بعلم الإنسان) أو غيرهم من الباحثين في الحقول العلميَّة المختلفة، خلافٌ في التَّأثير الأندونيسيِّ في تعمير جزيرة مدغشقر والسَّواحل الإفريقيَّة القريبة منها، فقد كان تعميرها، كما يقول المؤرِّخ ريموند كانتْ (Raymond Kent)، والمؤرِّخ ديكامب[8] Dechamps منذ القرن الرَّابع الميلاديِّ حيث وفدت سفنٌ تحمل جماعات من الشُّعوب الأندونيسيَّة، ولغتهم المالاجاسي، واستقرَّت بالجزيرة،[9]، وما زالت العلاقات التِّجاريَّة والثَّقافيَّة متواصلة منذئذٍ، إلى ظهور الإسلام، وانتشاره بأرض الجاوة، فكانت الجاوة رافدًا من روافد الإسلام وثقافته إلى جزيرة مدغشقر.

 قدم وعمق التأثير الإسلامي في الجنوب الإفريقي:

أثبت دراسات أنثربولوجيَّة (في علم الإنسان) وتاريخيَّة حديثة، خطأ المزاعم التي تقول بأنَّ التَّأثير الإسلاميَّ في شرق إفريقيا، بقي في السَّواحل فحسب، دون النُّفوذ إلى العمق الإفريقيِّ. ومن النَّماذج التي أوردها الباحثون في الجنوب الإفريقيِّ، نموذج المدينة الأثريَّة القديمة "زيمبابوي الكبرى" (Great Zimbabwe)، وقبائل أفريقيَّة غير ساحليَّة، وجُدت بينها مظاهر إسلاميَّة عدَّة. وهذا ماسيتم الوقوف عند بعضه في الفقرات التالية.

 أوَّلاً: زيمبابوي الكبرى والحفريَّات الأثريَّة:

تعدُّ الكشوف الأثريَّة في زيمبابوي الكبرى من أهمِّ الكشوف المعاصرة التي غيَّرت كثيرًا من المفاهيم عن تاريخ منطقة الجنوب الإفريقيِّ، وهي مدينةٌ أثريَّة قديمةٌ تقع على بُعد (17) ميلاً جنوبيَّ شرق زيمبابوي الحاليَّة، أي غير بعيدٍ عن مدينة سفالة السَّالفة الذِّكر، اكتشفها المستكشف الألماني كارل م. (Carl Mauch) عام (1871م). وتمتدُّ على مساحة (700 هكتار) بأكثر من تسعين ألف بيت[10].

 تأتي أهميَّة هذا الموقع الأثري في تأكيده على العلاقات التِّجاريَّة والثَّقافيَّة التي ربطت هذه الحاضرة في فترة أوْج ازدهارها (من القرن الثَّالث عشر إلى الخامس عشر الميلادي) بالمدن التِّجاريَّة وممالك الطِّراز الممتدَّة على السَّواحل الإفريقيَّة، وكذلك المراكز التِّجاريَّة في الهند، والصِّين، والجزر الأندونيسيَّة.

 وتوَّج المؤرِّخون المكتشفات الأثريَّة فيها بدراساتٍ تاريخيَّة أثبتت وجود نشاطٍ تجاريٍّ بين هذه المدينة وبين مدينة كلوة خاصة. بالإضافة إلى ما ثبت تاريخيًّا من وجود تجارٍ سواحيليِّين مسلمين قطنوا مدينة زيمبابوي الكبرى، وكان لهم نفوذٌ على ملوكها.[11] بل خلُص غير أولئك إلى القول بوجود عرب ومسلمين نزحوا إلى تلك المنطقة واستوطنوا بها بشكل دائم، وذلك منذ القرن الرَّابع عشر الميلاديِّ تقريبًا.[12] ومثَّلت مدينة زيمبابوي الكبرى -في هذا التَّبادل التِّجاريِّ الثَّقافي- الواسطة بين العمق الإفريقيِّ الشَّاسع، وبين العرب والمسلمين. وقد أكَّد ذلك نماذج حجريَّة معماريَّة أخرى اكتُشفت في المنطقة الجنوبيَّة من بوتسوانا الحاليَّة (Makgadikgadi)، وهي تمثِّل المنطقةَ الوسطَ في الجنوب الإفريقيِّ، ممَّا حمل الباحثين على القول بأنَّها تؤكِّد أنَّ الاختراق الإسلاميَّ قد بلغ منذ ذلك العصر أواسط تلك المنطقة التي كانت شهيرة بتجارة العاج وصناعته.[13].

 ثانيًا: الدِّراسات الأنثربولوجيَّة (علم الإنسان):

الدِّراسات التَّاريخيَّة والأنثربولوجيَّة الحديثة تؤكِّد أنَّ المدَّ الإسلاميَّ من الشَّمال (السَّواحيلي) إلى العمق الجنوبي، فيما وراء منطقة (Soutpansberg) الموجودة في جمهوريَّة جنوب إفريقيا الحاليَّة، كان منذ أوائل القرن الخامس عشر الميلادي. وهذا ما تثبته شواهدٌ لغويَّة من السَّواحيليَّة العربيَّة توغَّلت في اللُّغات المحليَّة نحو الجنوب الأقصى حتى بلغت نهر سانت جونز في سواحل (Pondoland)، بترانْسكايْ (Transkai)، بالإضافة إلى فلولٍ من القبائل المحليَّة الإفريقيَّة من بطون قبائل شونا القاطنة في المناطق الجنوبيَّة من زيمبابوي الحاليَّة، وقبائل (Venda) وسوتو، وتونْغا في منطقة ترانسفال (Transvaal)، الواقعة شماليَّ جمهوريَّة إفريقيا الجنوبيَّة، ويُجمع هذا الشَّتات القبلي لدى المؤرِّخين تحت مسمَّيات ثلاث هي: ليمبا (Lemba)، وفاريمبا (Varemba)، وباليمبا (Balemba)، التي سمَّاها الباحث إبراهيم موسى "قبائل أفريقيَّة مسلمة"، الذي أوضح أنَّ الدِّراسات الأنثربولوجيَّة الدِّينية قد فوجئتْ بوجود بعض الممارسات والمظاهر الثَّقافيَّة بين تلك القبائل تؤكِّد -بلا أدنى شكٍّ- أخذ تلك المظاهر من الشعائر الإسلاميَّة، هذا فضلاً عن انعكاساتٍ لغويَّة للغة العربيَّة -غبر السَّواحيليَّة- في لغات أولئك.[14].

 بناء على ما تقدم، يمكن الاطمئنان إلى القول بأنَّ المدَّ الإسلاميَّ قد وصل إلى العمق الإفريقيِّ في فترة من الفترات، ولكن عدم متابعة هذا المدِّ، وإذكاء جذوته، قد أفضى إلى ضعفه حتى سهُل على المنكرين إنكار وجوده.

 ثالثًا: قبائل ياوْ والإسلام:

الموطن الأصليُّ لقبائل الياوْ هو شمالي موزامبيق، ولكنَّها اليوم تنتشر في تنزانيا، والموزامبيق، وفي ملاوي خاصة، وقد انحدرتْ مجموعاتٌ كبيرةٌ منها إلى المناطق الشَّماليَّة من جمهوريَّة جنوب إفريقيا الحالية.

تمثِّل قبائل الياو[15] (YAO)، وجهًا آخر حيًّا للمدِّ الإسلاميِّ في العمق الإفريقي. وظاهرة فريدةً لانتشار الإسلام في الجنوب الإفريقيِّ؛ حيث كان إسلامُها إسلامًا جماعيًّا على غرار قبائل المادينغو والفولاني والهوسا في غرب إفريقيا.كان إسلام الياوْ نتيجة العلاقات التِّجاريَّة بينها وبين التُّجار المسلمين السواحيليِّين منذ القرن السَّابع عشر الميلادي، فقدكان الكتبة والمستشارون في بلاطات زعماء الياوْ مسلمين، وهذا ممَّا سهّل إسلام أولئك الزعماء، ومن ثمَّ إسلام عامَّة الشَّعب. ويُذكر أن من أوائل أولئك الزُّعماء إسلامًا، الملك ماكانجيرا الثالث[16] (Makanjira III).

 نتج عن الاحتكاك الطَّويل -كما يؤكِّد- المستكشف ليفيغستون (عام1866)، تأثيرٌ سواحيليٌّ واضح في أزياء قبائل الياو، وفي فنونها المعماريَّة، خاصَّة في عاصمتها (Mwembe)، وأكَّد ذلك الباحث ميتشل، والذي ذهب إلى أنَّ مساجد الياو، وبيوتها صورة أخرى لأصولٍ زنجباريَّة. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ هذه العلاقة التاريخيَّة المطوَّلة بين العرب وبين الياوْ قد تمخَّضت مؤخَّرًا في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي عن محاولة سالم بن عبد الله (عام1840م) تأسيس مملكة في (Nkhotakota) على ضفاف نهر ملاوي، ومملكة أخرى أسَّسها شخص يدعى (Mlozi)، لكن القوات البريطانيَّة وأدت المحاولَتَين، وقُبض على ملوذي وشُنق عام (1895).[17] ومن هنا، فإنَّ المدَّ الإسلاميَّ في المناطق الشَّرقيَّة من الجنوب الإفريقيِّ، يعود إلى قبائل الياو. وهي كذلك – كما بقول الباحث بونْ-َ "أهمُّ مصدر لنشر الإسلام في ملاوي اليوم"[18].

 رابعًا: قبائل أخرى في الجنوب الإفريقي:

على الرُّغم من التَّأخُّر النِّسبي في احتكاك شعوب جنوب إفريقيا الحقيقيِّ بالمسلمين ابتداءً من القرن السَّابع عشر الميلاديِّ، فإنّ المصادر التَّاريخيَّة تفيد بأنَّ إقبالهم على الإسلام كان مرنًا وسلسًا، خاصَّة في القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر الميلاديين. وقد أثار ذلك توجُّس المستعمرين والمنصِّرين –كما يأتي بيانُه في فقرة الحديث عن الإسلام بمستوطنة رأس الرَّجاء الصَّالح- ففي أواسط القرن التَّاسع عشر الميلادي، أبدى بعضهم تخوُّفه من الإسلام قائلاً: "هناك خطرٌ حقيقيٌّ في انتشار الإسلام بين الزولو والباسوتو؛ لأنَّهم إن انخرطوا في صفِّ الإسلام، فإنَّهم سيغدون من دعاته... ".[19] وفي عام (1900م) كتب الأب توماس (T. Fothergill Lightfoot) في مذكراته "أنَّ كثيرًا من زعماء العشائر الزُّنوج قد اعتنقوا الإسلام"[20].

 تدعونا هذه المعلومات إلى القول بأنَّ هناك حلقةً مفقودةً في تاريخ المدِّ الإسلاميِّ في الجنوب الإفريقيِّ، ينبغي الكشف عنها؛ لمعرفة أسباب توقُّف هذا المدِّ قرابة قرن كامل.

 وعلى كلٍّ، فإنَّ الدراسات الحديثة تُجمع على تنامي الإسلام في مجتمعات الجنوب الإفريقيِّ، ببُعدها الشَّعبي القبائليِّ خاصَّةً، ومما يستأنس به في هذا المقام، نموذج قبائل فاريمبا في زيمبابوي وجنوب إفريقيا، وقبائل ناماكُوَا (Namaqua) في ناميبيا الحاليَّة.

 (أ) قبائل فاريمبا (VaRemba).

تتكوَّن قبائل الفاريمبا (وتسمَّى أيضًا فامْوينْي VaMwenyi)، من تفرُّعاتٍ قَبليَّة عدَّة هي: فادُومبا (VaDumba)، فاتونْغا (VaTonga)، فانْياكافي (VaNyakavi)، وفاساريري (VaSariri). وتقطُن المناطق المتاخمة لمرتفعات نيانْغا (Nyanga) في جمهوريَّة زيمبابوي، وتمتدُّ مناطقها حتى (Soutpansberg) جمهوريَّة جنوب إفريقيا الحاليَّة.

 وكما سبق تحت فقرة: (ثانياً: الدِّراسات الأنثربولوجيَّة)، فإنَّ هذه القبيلة من القبائل التي أطلق عليها بعض الباحثين صفة "قبائل أفريقيَّة مسلمة"، تمثِّل حالةً فريدةً بين القبائل في العُمق الإفريقيِّ بادِّعاؤها الانتماء إلى أصول عربيَّة، تقول الرِّوايات المحليَّة إنَّ جدَّهم كان عربيًّا، تزوَّج امرأةً من الشُّونا (Shona)، واستقرَّ بين الأفارقة، وكان ذلك في عصر ازدهار مملكة مونوموتابا (Monomotapa/Munhumutapa). وقد ذهب بعض الباحثين إلى التَّشكيك في ذلك، غير أنَّ آخرين يؤكِّدون الأصل العربيَّ لهذه القبائل. يقول الباحث بوسلت (Posselt): "إذا حكمنا على الملامح الجسديَّة لهؤلاء المحلِّيين، فإنَّ فيهم -بلا شكٍّ- دماءً ساميَّة، ولم يكن ذلك إلا نتيجة احتكاكهم القديم بالتُّجار العرب الذين استقرُّوا في المناطق السَّاحليَّة، ثم توغَّلوا بعيدًا في القارَّة".[21] وعلى كلٍّ، فإنَّ الفاريمبا تعد أهمَّ حاضنٍ وناقلٍ للإسلام في عمق زيمبابوي الحاليَّة، ويتميَّزون بتبنِّي أسماء عربيَّة، ومن زعمائها المعاصرين الشيخ آدم ماكْدا (Makda)، أول مؤسِّسٍ لجماعة دعويَّة في زيمبابوي الحاليَّة منذ سبعينيَّات القرن الماضي.

 وإلى جانب دور قبائل الفاريمبا في نشر الإسلام في زيمبابوي، كان هناك حضورٌ ملموسٌ لمسلمي ملاوي منذ عام (1890م)، الذين قدموا إليها لأعمال الزِّراعة ومناجم الذَّهب، وكذلك للهنود المسلمين. وقدتم تأسّيِس مجلس وطنيُّ لأئمَّة زيمبابوي في عام (1975م).[22].

 (ب) قبائل ناماكُوَا.

يرجع انتشار الإسلام في ناميبيا إلى قبائل ناماكُوَا، حيث لم يُسجَّل حضورٌ إسلاميٌّ ملموسٌ للإسلام فيها قبل أواخر التِّسعينيَّات الماضية، إلاَّ بعد اعتناق أحد السِّياسيِّين البارزين من الناماكُوا الإسلام، وهو السَّيد جاكوبس سلمان دامير في مؤتمر إسلاميٍّ بلوسوتو. وقد أحدث إسلامُ هذا الشَّخص حركةً دعويَّة نشطة ونموًّا مطَّردًا للمسلمين المحلِّيين في ناميبيا، خاصَّة بين أبناء قبيلته، وهي إحدى القبائل الثَّلاث عشرة في ناميبيا. وكالعادة، فإنَ النسبة الحقيقيَّة للمسلمين في ناميبيا غير متَّفق عليها، فالإحصاءات الرَّسميَّة ترفعها إلى سبعين ألفاً، ويحدِّدها بعض المسلمين بعشرين ألفًا من مجموع 2 مليون نسمة بالبلاد، وغير ذلك.[23] ولكنَّ هذه الأعداد جميعها، لها أهميَّة معتبرة في ظلِّ حداثة الإسلام بهذا البلد، باعتبار أن هذا المكان محطَّة بين الجنوب الإفريقيِّ، وبين الوسط الإفريقيِّ وغربيِّها على السَّواء.

 المدُّ الإسلاميُّ في دُوَل أخرى في الجنوب الإفريقي:

لم يتم تناول المدِّ الإسلامي في هذه الدِّراسة، على حسب الدُّول القطريَّة؛ لأنَّ التوزيع الدِّيموغرافي للقبائل لا يعترف بالحدود السياسيَّة، ولكنْ، -إكمالاً للصُّورة الكليَّة للمدِّ الإسلاميِّ بهذه المنطقة- لم يكن بدٌّ من تناوُل بعض الدُّول القُطريَّة الحديثة.

 أوَّلا: بُتسوانا (Botswana).

لقد تقدَّم في فقرة: زيمبابوي الكبرى، أنَّ المدَّ الإسلاميَّ قد وصل إلى منطقة (Makgadikgadi) منذ القرن الرَّابع عشر الميلاديِّ، وهي منطقة داخل بتسوانا الحاليَّة، أمَّا في العصر الحديث، فيرجع المدُّ الإسلاميُّ في بتسوانا إلى العمَّال الهنود في مناجم الذَّهب منذ أواخر القرن التَّاسع عشر (1890م)، لكنَّهم كانوا - مثل المسلمين في رأس الرَّجاء - قابعين تحت القمع الاستعماريِّ.

 وفي أواسط القرن الماضي، ظهر الإسلامُ بقوَّة مع تنشيط أعمال المناجم، وتوافُد العُمَّال من ملاوي إليها، ومن دُوَل إفريقيا الغربيَّة، ويشير باحثون في دراسة منشورة (منذ عام 1996م)، إلى أنَّ الإسلام في تنامٍ مطَّرد في بتسوانا.[24] وهذا ما أكَّدته دراسة أخرى ظهرت في عام(2006م) وفيها ذهب ديمْبو إلى "أنَّ الإسلام يكسب أعدادًا كبيرةً من الأتباع، على الرُّغم من تأخُّر ظهوره في هذا البلد"، وعلَّل ذلك بتوافُق الإسلام مع أسُس المجتمع البطريركيِّ (النظام الأبوي) للأسرة في بوتسوانا"[25].

 ثانيًا: سوازيلاند (Swaziland).

بدأ الظُّهور الملموس للمسلمين في مملكة سوازيلاند، في حدود عام (1963م)، وكان ذلك نتيجة تمازُج المحلِّيين بعُمَّال المناجم الملاويِّين المسلمين، كذلك كان للمسلمين الهنود من جنوب إفريقيا أثرٌ ملموس في المدِّ الإسلاميِّ في هذا البلد، وهو –مثل ليسوتو- دُوَيْلَة (صغيرة جدًّا) داخل جنوب إفريقيا (عدد سكانها مليون نسمة، ومساحتها 17 كلم2). هذا، وقد اعتُرف بالإسلام دينًا في هذه الدَّولة، من قِبَل ملكها عام (1972م)، وكان بناءُ أوَّل معهد إسلاميٍّ بمدينة (Ezulwini)، عام (1981م)، وبها مؤسَّسات إسلاميَّة أخرى، تأثَّرت في تأسيسها وفي أنشطتها بالمدِّ الإسلاميِّ من جنوب إفريقيا[26].

 ثالثًا: ليسوتو (Lesotho).

لا يُعرف الكثير عن الإسلام في مملكة ليسوتو الحديثة، ولكنْ لكونها بلداً صغيرًا جدًّا (30 كلم2، وعدد سكَّانه 2 مليون نسمة)، ووقوعها داخل جمهوريَّة جنوب إفريقيا، فإنَّ ظروفها لا تختلف كثيرًا عن ظروف جنوب إفريقيا.

 وعلى ذلك، يُذكر أنَّ أوَّل من أسَّس مسجداً في ليسوتو، هو الشَّيخ صوفي صاحب (ت1910)، وكان ذلك في أواخر القرن التَّاسع عشر. ولعلَّ ما اشتُهر به هذا التَّاجر الدَّاعية من أعمالٍ اجتماعيَّة، أدَّى إلى نشوء مجتمع إسلاميٍّ من المحليِّين السُّود بمدينة (Butha Buthe). والطَّريف أنَّ هذه المجموعة من السُّود يتحدَّثون لغة هنديَّة، وليس لدينا تفسيرٌ لهذه الظَّاهرة إلاَّ شدَّة تمسُّك أولئك بالإسلام، واعتبار لغة شيخهم (الهنديَّة) هي لغة الإسلام، وبالتَّالي، تركوا لغتهم القبَليَّة لصالح اللُّغة الدِّينيَّة.[27].

 وبعد، فإنَّ استعراض المدِّ الإسلاميِّ في هذه الدُّوَل، وفي تلك القبائل الموغلة في العمق الإفريقيِّ، الذي وقع منذ قرون عدَّة، يؤكِّد لنا عدَّة حقائق، منها:

• أنَّ الإسلام قد امتدَّ في الجنوب الإفريقيِّ، واخترق القارَّة من المحيط الهنديِّ إلى الأطلسيِّ في ناميبيا شمالاً، وفي رأس الرَّجاء جنوبًا.

 • أنَّ المدَّ الإسلاميَّ في هذه المنطقة وفي سائر مناطق إفريقيا قد واكبُ التِّجارة، وسائر الأنشطة الإنمائيَّة. وفي الجنوب الإفريقيِّ، تركَّز ذلك في أعمال مناجم الذَّهب.

 • أنَّ التَّفاعُل كان نشطًا بين قبائل المنطقة وشعوبها في نشر الإسلام. فكلُّ قبيلة تُسلم، تنقل الإسلام إلى من يليها، وهكذا دَوالَيك.

 • أنَّ المدَّ الإسلاميَّ –قديمًا وحديثًا- في ازديادٍ وتوسُّع، رغم ضآلة الجهود الدَّعويَّة في الوقت الرَّاهن، وما ذلك إلاَّ نتيجة الانقياد السَّهل والسَّلس للشُّعوب الإفريقيَّة إلى الإسلام لسماحته وبساطته وموافقته فطرة الإنسان.

 الحضور الإسلاميُّ في رأس الرَّجاء وفي جنوب إفريقيا:

يُرجع المؤرِّخون الوجود الإسلاميَّ الأوَّل برأس الرَّجاء (كيبْ تاوْن) إلى عام (1652م)، حين أقامت الشَّركة الهولنديَّة في الهند الشَّرقيَّة (DEIC) - التي كانت تستحوذ على التّجارة في المحيط الهندي- مستوطنةً في رأس الرَّجاء؛ لتكون محطَّة للاستراحة ولتموين السُّفن التِّجاريَّة، وذلك بعد حروبٍ ضروس، واجتياح للسَّلطنات الإسلامية الواقعة آنذاك في هذا المحيط.

 وكذلك ووجه الهولنديِّون والبرتغاليِّون بمقاومة عنيفة في رأس الرَّجاء منذ اكتشاف هذه النُّقطة للعبور إلى آسيا، ولمواجهة تلك الثَّورات المحليَّة، يُذكر أنَّ القبطان (Jan Van Riebeeck) استقدم مجموعة من مسلمي (Mardyckers)، من أمبويا (Amboya) عام (1658م)، وسُجِّلوا بالرَّأس بوصفهم "عبيدًا" مهمَّتهم حماية المستوطنة الهولنديَّة الجديدة من الثُّوار المحلِّيين. غير أنَّ أولئك "العبيد" المسلمين، لم يُعرف عنهم الكثير، ولا عن مدى تأثيرهم الدِّيني في المستوطنة الحديثة كيبْ تاوْن.[28].

 إن بُعد هذه المنطقة عن الهند وعن الجزر الأندونيسيَّة، وأرخبيل الملايو، واختلاف سكَّانها عن الآسيويِّين، جعلها مكانًا مناسبًا ليتَّخذها المستعمر منفًى للثُّوار ضدَّ الهيمنة الاستعماريَّة في تلك المناطق، وبعض المناطق في غرب إفريقيا، وقدكان معظم أولئك المنفيِّين من علماء المسلمين، ومن الأئمَّة وقادة الجيوش والسلاطين. ومن أوائل مشاهير المشايخ والزُّعماء المنفيِّين إلى رأس الرَّجاء: السلطان عبد الرحمن متاهي شاه من سلاطين سومطرة، والشَّيخ عبد الله (van Batavia)، والشيخ سعيد العلوي (Aloewie van Mokka, 1744)، والشَّيخ حاجي ماتارم (1744)، والشيخ مدورا (1754)، والشيخ توان السيد (حوالي 1760)، والشيخ (Agmat Prins van Ternate, 1766)، والجنا عبد الله (1766)، وإمام عبدالله (1780)، وإمام نور (1780)، وإمام بدر الدين (Imam Patrodien, 1780).

 وعلى الرُّغم من النَّجاح الآني الذي حقَّقته تلك السِّياسة القاسية في الحدِّ من الثَّورات، وقطع نفوذ أولئك المنفيِّين في شعوبهم، فإنَّ الكيان الاستعماريَّ، بغير وعي منه، كان قد جعل من نفسه سببا لغرس بذرة الإسلام، ونشر الدَّعوة الإسلاميَّة في جميع البقاع التي نفى إليها الزُّعماء المسلمين.

 المسلمون الهنود:

إلى جانب الحضور الإسلاميِّ في رأس الرَّجاء، كان هناك حضور آخر في أقصى الشَّرق من جنوب إفريقيا؛ حيث استقدم البريطانيُّون مجموعاتٍ من الهنود للعمل في حقول قصب السُّكر في كوازلو-ناتالْ، وفي ترانسفالْ شماليَّ إفريقيا الجنوبيَّة، بعد إلغاء الرِّق (عام 1838م)، عبر الرحلات البحريَّة التي روَّجت لها بريطانيا تحت مسمَّى "المسافرون الأحرار" (Free Travelers) التي بلغ تعداد الأيدي العاملة فيها حوالي (176.000 شخص)، وكان معظم أولئك من المسلمين.[29] ومن مشاهير الهنود الوافدين، الشَّيخ محمد إبراهيم صوفي، المشهور بـ"صوفي صاحب" (Soofie Saheb)، وقد وصل مدينة دوربانْ عام (1896م)، وإليه يُعزى بناء جلِّ المساجد الأولى بتلك المنطقة، وبناء حضانات ومدارس للأيتام، ومشاريع اجتماعيَّة تكافليَّة كثيرة. ويُعزى إليه الظُّهور الأوَّل للإسلام في ليسوتو كما سبق.

 المسلمون الزِّنجبار:

كان حضور العبيد المحرَّرين من الزنجبار بشكل جماعيٍّ إلى بورتْ ناتالْ، عام (1873م)، وتتابعت أفواجهم حتى عام (1880م)، وكان يُطلق عليهم "زنجباريُّون"، ويُصنَّفون عرقيًّا في السِّجلات الرَّسميَّة بوصفهم "آسيويّين آخرين" (Other Asians)، علمًا بأنَّهم كانوا من أصول مختلفة: عرب، وتنزانيين، وزنجباريين، وموزامبيق، وملاويين، وقمريين، وملجاش (مدغشقر). وتعدُّ تلك المجموعات أواخر المستقدمين.

 يتبيَّن من خلال هذا الاستعراض أنَّ النُّزوح الإسلاميَّ إلى ما يُعرف الآن بجمهوريَّة جنوب إفريقيا، كان عمليَّة ممتدة في الزَّمان والمكان؛ حيث استمرت حوالي قرنَين ونصف (1652-1880م)، وامتدَّت جغرافيًّا من أبعد نقطة غربيَّ البلاد (رأس الرَّجاء) إلى أبعد نقطة في شرقيِّها (بورتْ ناتالْ)، جامعة أجناسًا كثيرة من المسلمين من أقصى غرب إفريقيا إلى أقصى شرق آسيا.

 وعلى الرُّغم من الظُّروف المماثلة للمسلمين في جنوب إفريقيا، فإنَّ المسلمين برأس الرَّجاء، الذين يُشار إليهم بـ"ملايو الرَّأس" (Cape Malays)، كان نصيبهم من الاضطهاد -مع الأسف- أوفَر، وتاريخهم مع النِّضال، والصِّراع من أجل البقاء أطولَ من غيرهم، وقد طوَّروا -بناءً على ذلك- استراتيجيَّات اجتماعيَّة كثيرة، تناسبُ تلك التَّحدِّيات التي واجهوها. وهذا ما يتمُّ الوقوف على بعض جوانبه في الفقرات التالية.

 قادة وشخصيَّات إسلاميَّة أوائل في رأس الرَّجاء:

في الفقرات الآتية استعراض لسِيَر بعض القادة والمنفيِّين السِّياسيِّين، وما قاموا به من جهودٍ دعويَّة برأس الرَّجاء، وتكوين للمجتمع المسلم الجديد بها.

(1) راجا (سلطان) تامبورا.

هو عبد البصير سلطان تامبورا في الجاوة. نُفي هذا السُّلطان إلى رأس الرَّجاء وسُجن بسجن (Castle)، عام (1697م)، ومن أهمِّ أعمال راجا تامبورا نسخه للمصحف كاملاً عن ظهر قلب، وكان لذلك دلالة قويَّة، وتأثير ملموس في المجتمع، خاصَّة إذا استحضرنا ظرف القمع والعداء الدِّيني من لَدُن المستعمر الذي كان يستهدفُ –في المقام الأوَّل- قطع المسلمين عن كلِّ مصدر ديني، ويحظر على المنفيِّين حمل كُتبهم، أو استصحاب بعض تلاميذهم أو أتباعهم الرَّاغبين في اللِّحاق بهم في المنفى.

 (2) تُوان سعيد العلوي.

كان الشَّيخ توان سعيد العلوي من العلماء اليمنيِّين، نُفي من أرض الجاوة إلى رأس الرَّجاء عام (1744م) مع رفيقه حاجي ماتارِمْ. سُجن الاثنان مع غيرهما بجزيرة روبنْ الشَّهيرة (Robben)، وقضى الشيخ توان بها إحدى عشرة سنة في عزلة تامَّة، وبعد الإفراج عنه، عمل بالشُّرطة، وقيل إنَّه وظَّف منصبه ذلك خير توظيف؛ فكان يحمل الطَّعام إلى السُّجناء والعبيد، ويُكثِّف دعوته بينهم، ويقصدهم في ضاحيتهم في دعوة سريَّة استقطبت الكثير من المحليِّين السُّجناء والعبيد من مختلف العرقيات.

 (3) الشَّيخ تُوانْ غُورو (ت1807).

هو الشَّيخ الإمام عبد الله بن القاضي عبد السلام، المشهور بـ"تُوانْ غورو" أي (السَّيد الأستاذ)، من الأمراء الأشراف في الجاوة. كان نفيه عام (1780م) إلى جزيرة روبنْ أيضًا. له كتاب "معرفة الإيمان والإسلام" بالعربيّة والملايويَّة. ألّفه في السجن، واستهدف به تعليم المجتمع المسلم أحكام الإسلام الأساسيَّة، وقضايا العقيدة والإيمان العامَّة، وقد ظلَّ هذا الكتاب لمدَّة قرنَين مرجعيَّة مهمَّة في جنوب إفريقيا. بل تجاوزتْ شهرته إلى المسلمين في جنوب شرق آسيا، وشبه القارَّة الهنديَّة.

 ويرجع الفضل إلى الشَّيخ توان غورو في تأسيس المدرسة الأولى برأس الرَّجاء إثر الإفراج عنه عام (1793) بعد ثلاث عشرة سنة من الحبس، وبلغ عدد أطفال العبيد بها (375طفلاً)، وحين رفض طلبُه في بناء مسجد، كان ردُّه بإقامة أوَّل جمعةٍ في العراء في رأس الرَّجاء. وقد مثلت تلك الخطوة نقلة نوعيَّة في الخروج بالإسلام من طور السِّريَّة المطلقة إلى الجهريَّة، وإلى عهدٍ جديدٍ من الدَّعوة الإسلاميَّة ببعدها المجتمعيّ المنظَّم، وبذلك استحقَّ الشَّيخ توان غورو بجدارة لقب "مهندس الإسلام في جنوب إفريقيا" الذي أطلقه عليه أكثر من مؤرِّخ.[30].

 وبعد، فإنَّ ما يمكن استخلاصُه من استعراض حياة هؤلاء الزُّعماء الأوائل، أنَّ الإسلام قد أفاد كثيرًا من خبراتهم، وشخصيَّاتهم القياديَّة، في إرساء البنية التَّحتيَّة للمجتمع المسلم في الجنوب الإفريقيِ، فكرًا وتطبيقًا، وبفضل شخصيَّات أولئك القادة الفذَّة، والرؤى القيادية والحركيَّة (الجهادية)، التي تميَّزوا بها، قبل مجيئهم إلى مستوطنة الرَّجاء، فإنَّ العمل الإسلاميَّ، قد وفَّر على نفسه حُقبًا زمنيَّة من الخطأ والمحاولة، وبدتْ بواكير ثمار الجهود منذ الجيل الأوَّل من المسلمين برأس الرَّجاء.

 بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ هؤلاء القادة الأوائل قد ضحوا تضحياتٍ كبيرة، في سبيل الدَّعوة الإسلاميَّة، من ذلك إصرارهم على البقاء بالمستوطنة بعد الإفراج عنهم، على الرُّغم من حرص المستعمر -ثانية- على رحيلهم عن المستوطنة، وكان هذا الخيارُ واضحاً كما صرَّح به الباحث كيري واردْ، بناءً على رؤية دعويَّة لدى أولئك المشايخ.[31] فضحُّوا بنشوة العودة إلى مسقط الرَّأس، من أجل الإسلام.

 ومن الجدير بالذِّكر في هذا المقام، أنَّ سجن جزيرة روبنْ الذي ذاع صيته –على غرار غوانتنامو- كان المسلمون الأوائل، أوَّلَ مَن دشَّنوه بأعمارهم، وبالسَّنوات الطِّوال فيه، وكان أحفادهم –من بعدهم- في الصُّفوف الأوَّل، لكسر بوَّابات هذا السِّجن وسلاسله في فترة حكم التَّمييز العنصري.

 المسلمون في جنوب إفريقيا في ظل الاستعمار:

في ظلِّ الإرث العدائيِّ للإسلام لدى المستعمرين البرتغاليِّين والهولنديِّين، لم يكن يُتوقَّع أن تكون مستوطنة الرَّجاء الصَّالح مناسبةً للمسلمين الأوائل، بل كانت ابتلاءً لهم في ثباتهم وصبرهم على القمع وأعمال السخرة، وانتهاك الحريَّات.

 بدأ الحظر على الإسلام وعلى جميع مظاهره منذ أن وطئت أقدام السُّجناء الأوائل أرض مستوطنة الرَّجاء، فالمشايخ والأمراء المنفيُّون أطلق عليهم في سجلاَّت السُّجون (bandieten) أي "مجرمون"، واستُحدثت قوانين تجرِّم كلَّ نشاطٍ علنيٍّ لشعائر الإسلام فقد أصدر المستعمر مرسومًا صارمًا يحظر أيَّ ممارسة علنيَّة لشعائر الإسلام، وحددت عقوبة الشَّنق لمن يخالف هذا القانون، ثم أُكِّد هذا القانون بمراسيم أخرى في العقود اللاَّحقة بالنصَّ على عقوبة الشَّنق،[32] أو مصادرة ممتلكات كلِّ من يقوم بنشاط دعويِّ بين المحليِّين أو بين المسيحيِّين، وكانت تهمة "مبشِّر محمَّدي" (Mahometaanese priesters)، من أكبر التُّهم بالمستوطنة.

 من أبشع الأحكام بهذا الصَّدد ما نفذ في عام (1712م) على داعية مسلم جاويًّ؛ حيث قُطع لسانُه، وأُحرق حيًّا، عقابًا له على "تبشيره بين الكفرة وعلى فعلته الجهنميَّة"[33].

 لقد ظل هذا القانون ساريًا طوال قرن ونصف، حتى أُلغي في عام (1804م) مع بقاء قيودٍ أخرى مثل ضرورة الحصول على إذن رسمي لبناء المساجد، والمدارس، وإقامة التَّجمُّعات.

 بالإضافة إلى ذلك، قام المستعمر في خلال قرن ونصف بإجراءاتٍ وسياساتٍ كثيرة، من أجل قطع الطَّريق أمام أيِّ ظهور إسلاميٍّ، أو تأثيرٍ للمسلمين في رأس الرَّجاء وفي جنوب إفريقيا، مثل: فتح الباب على مصراعَيه للحركات التَّنصيريَّة، وتشجيع هجرات المسيحيِّين إلى المستوطنة. وفي الفقرات الآتية وقوفٌ عند بعض تلك الإجراءات ونتائجها.

 أوَّلاً: سياسة الهجرات الجماعيَّة المسيحيَّة إلى رأس الرَّجاء:

على الرُّغم من الحظر المفروض على الإسلام وعلى جميع مظاهره، فإنَّ الإسلام قد ظلَّ في تنامٍ مستمر، خاصَّةً بين العبيد، الأمر الذي أزعج المستعمر في رأس الرجاء؛ فأصدر مراسيم عدَّة (عام 1767م، 1788م، 1792م) - عُمِّمت على شركات النخاسة -، بإيقاف تهجير العبيد من الملايو إلى رأس الرَّجاء.[34] وحتى تكتمل حلقات هذه السِّياسة الهادفة إلى تغليب المسيحيَّة على الإسلام، شجَّع المستعمرون الهجرات الأوربيَّة الجماعيَّة إلى المستوطنة، حتى بلغت نسبة المسيحيِّين الوافدين إلى المستوطنة عام (1829م) 27% من إجماليِّ عدد المستوطنين، بينما لم تتجاوز نسبة ذلك لدى المسلمين واحدًا في المائة، ولكن بالرغم من هذه السياسة فإن نسبة المسلمين المئويَّة من مجموع السُّكان بلغت (57.67%).[35].

 ثانيًا: إنشاء إرساليَّة خاصَّة لتنصير المسلمين:

كان إنشاء إرساليَّة خاصَّة لتنصير "العبيد" المسلمين إيغالاً من المستعمر في طمس الوجود الإسلاميِّ برأس الرجاء، وعرفت تلك الإرساليَّة باسم: (The Anglican Mission to Moslems)، إلا أن تلك الإرساليَّة مُنيت بفشلٍ مستمر طول قرن ونصف؛ لذلك حين نجح الأب بيك (Henricus Beck)، في تنصير "رجل مسلم"، وجَّهت إليه الإدارة الاستعماريَّة خطاب تقدير خاص بهذا "الإنجاز"[36].

 في مقابل ذلك، كان اعتناق الإسلام بين العبيد يتزايد، على الرُّغم من الحظر المفروض على الدَّعوة. ففي عام (1829م) مثلاً، لاحظ المسؤول آنذاك عن تلك الإرساليَّة الأب ويليام إليوت أنَّ "نصف ملاجئ العبيد البالغة ثلاثة وثمانين في المستوطنة، هم محمديون".[37] فكان إخفاق هذه الإرساليَّة مزدوَجًا؛ إذ لم تفلح في تنصير المسلمين، ولم تفلح كذلك في الحدِّ من إقبال العبيد على الإسلام.

 ثالثًا: مسخ الهويَّات:

من الإجراءات التي رافقت محاولات تنصير المسلمين طمس هويَّاتهم، وإجبار المسلمين على تبنِّي أسماء برتغالية أو هولنديَّة، أو مسخ أسمائهم القديمة وتهجيها بطريقة تبعدها عن أصولها الإسلاميَّة، وهذا الأثر واضح في أسماء معظم المسلمين بجنوب إفريقيا إلى اليوم، فالاسم أحمد مثلاً يُكتب ويُقرأ عندهم (Agmat)، وبدر الدين (Patrodien)، وعبد الحميد (Abdolgamiet)، بالإضافة إلى أسماء كثيرة هي أسماء هولنديَّة خالصة؛ لذلك لا عجب إذا تمسَّك المسلمون بشدَّة في جنوب إفريقيا حتى الآن بالعقيقة، وشاعت بينهم أسماء مشاهير المسلمين في عصر الصَّحوة بعد الخروج عن ربقة التَّفرقة العنصريَّة، ولكنا نلاحظ أن كثيرًا من الأسماء الممسوخة –خاصَّة أسماء العوائل- قد استمرت عبر الأجيال، وأصبح من الصَّعب التَّخلي عنها.

 والحاصل، أنَّ جميع هذه السِّياسات والإجراءات عادتْ على المستعمر بالخيبة والفشل الذَّريع، واعترف كثيرٌ من السِّياسيِّين ورجال الدِّين المنصِّرين بهذا الفشل.

 نجاحٌ دعويٌّ في رأس الرَّجاء:

على الرُّغم من أنواع الاضطهاد وسياسات القمع المشار إليها، فإنَّ النَّجاح الدَّعوي الأوَّل الذي يمكن تسجيله للمسلمين، لم يكن في احتفاظ هؤلاء المبعَدين المنقطعين عن أصولهم بعقيدتهم وثقافتهم الإسلاميَّة فحسب، ولكنَّه كان في كسب أتباعٍ جُدد كُثر من العبيد والمحليِّين على السَّواء. فبينما بدأ الإسلام في رأس الرَّجاء ببضعة عبيد ومساجين من الملايو في أوَّل سفينة رست في رأس الرَّجاء عام (1652م)، بلغ عددهم ثلاثة آلاف مسلم في (عام1822م) أي بعد قرن ونصف تقريباً، وفي أواخر القرن التاسع عشرالميلادي (1891م) بلغ تعدادهم (11.287) شخصًا، وتلك أرقامٌ لا يُستهانُ بها في ظلِّ الكثافة السُّكانيَّة آنذاك برأس الرَّجاء، وفي ظلِّ ما كان قائمًا من الحظر على الإسلام بأبشع وسائل القمع.

 لم يأت هذا النَّجاح من فراغ، وإنَّما كان – بعد توفيق الله - نتيجة وسائل وأسباب دعويَّة هادفة تبنَّاها الدُّعاة الأوائل، تحلَّوا فيها بحسٍّ اجتماعيٍّ مرهف نحو المجتمع الجديد، وتوسَّعت رعايتهم لاستقطاب العبيد غير المسلمين، بإيوائهم وتقديم الملاذ المعنويِّ والماديِّ لهم، وحمايتهم من أسيادهم الظَّلمة، وعقد الزِّيجات بينهم، واتباع جنائزهم، واهتمام المشايخ الزُّعماء بتعليم أطفال العبيد المحرَّرين مبادئ القراءة والكتابة، وغير ذلك من الحقوق التي حرمهم الكيان الاستعماري منها، وأحجمت الكنيسة بدَورها عن توفيرها لهم. بل إنَّ كثيرًا من العبيد، تقلَّدوا مراكز الإمامة والزِّعامة في المجتمع المسلم الجديد برأس الرَّجاء، فالشيخ أحمد بنْغَلين مثلاً، كان من تلامذة الشيخ تُوانْ غورو. تقلَّد القضاء والإمامة بالمستوطنة.

 وفي أواخر القرن الثَّامن عشر برزت طبقة وسطى من التَّجار المسلمين في رأس الرجاء، وضربت أروَع المثل في الرِّعاية الاجتماعيَّة، وخاصة في تحرير العبيد، - مسلمين وغير مسلمين -، وقد شهد بذلك أكثر المؤرِّخين، يقول أحد المبشرين في هذا الصَّدد: "ولست أدري أيوجد بين الملايو قانونٌ يُلزمهم بتحرير العبيد... يجب الاعتراف للملايو، أنَّهم في مواقف كثيرة، خلال البيوع العلنيَّة، يشترون العبيد المسنِّين، والضَّعفة، بصرف النَّظر عن دياناتهم، ثم يحرِّرونهم".[38] وممَّا يدعو إلى التَّأمُّل أنَّ أوَّل مسجد برأس الرَّجاء (عام 1798م) بُني على أرض وهبتها امرأةٌ من الإماء المحرَّرات، واسمها (viz Saartjie van de Kaap). وتوفيت عام (1847م)[39].

 في مقابل ذلك يورد المؤرِّخون نموذجًا طريفًا لشخص من السُّود، يُدعى مارت (Maart van Mosambiek) وكان من ألمع العبيد ثقافةً، وأشدِّهم إخلاصًا في العمل التَّنصيريِّ بين المحليِّين بجمعية لندن التَّبشيرية (London Missionary Society)، ولكنَّ ذلك كلَّه لم يشفع له بأن يحظى بمجرَّد التَّعميد في الكنيسة، أو التَّحرر من العبوديَّة حتى وفاته.[40] ومنها أيضًا أنَّ عدد العبيد المسيحيِّين بلغ قرابة ألفين في أواخر عام (24 مكن المعمَّدين منهم كانوا (86) شخصاً فقط، وسبب ذلك –كما أوضحه الباحث (Bigge) أنَّ المستعمرين والمستوطنين، بما فيهم الكنيسة، كانوا ضدَّ "أيِّ إجراء يفضي إلى تضييق الفجوة بين الأسياد البيض وبين العبيد".[41].

 إذنْ، لم يكن إسلام العبيد - في الواقع - إلاَّ نتيجة طبيعيَّة للرُّوح الأخويَّة والمعاملة الإنسانيَّة التي حفاهم بها المسلمون، ولم يكن هذا خاصًّا بالعبيد الذين وُصِفوا بأنَّهم "لا دين لهم"، وإنَّما شمل ذلك العبيد الذين كانوا قد أجبروا على اعتناق المسيحيَّة، فكانوا سرعان ما ينبذونها حالَ تحريرهم؛ ليعتنقوا الإسلام، وليصبحوا دعاةً أوفياء إليه.

 إسهاماتٌ حضاريَّة إسلاميَّة في جنوب إفريقيا:

لقد أسفرت الخبرة الإسلاميَّة في تاريخ الوجود الإسلاميِّ في جنوب إفريقيا، الذي استمر أكثر من ثلاثة قرون ونصف، عن إسهاماتٍ حضاريَّة كثيرة في مختلف المجالات، يدينُ المجتمع الإفريقيُّ اليوم بها للمسلمين، من ذلك:

 أوَّلا: في المجال الثَّقافي العلمي:

بحكم الإرث الثَّقافي للملايو في كتابة لغتهم بالحروف العربيَّة؛ فإنَّ العلماء والدُّعاة الأوائل لم يجدوا أيَّ إشكالٍ في متابعة التَّواصُل العلمي بالرُّموز العربيَّة، واعتمادها في كتابة الورقات والمنشورات القصيرة التي كان يكتبها المشايخ السُّجناء بالعربيَّة الجاويَّة، و"يهرِّبونها" إلى العامَّة.

 ونظرًا للتَّعدد اللُّغويِّ للعبيد في رأس الرَّجاء؛ فإنَّ اللُّغة الدَّارجة بينهم أصبحت بمرور الزَّمن خليطاً من الهولنديَّة واللُّغة المحليَّة (الخوي-خوي)، وقليل من مختلف اللُّغات، وقد أخضع المشايخ هذا الشَّتات اللُّغوي الجديد للكتابة بحروف عربيَّة، فظهر ما يعرف بـ "الأفريكانْس"، وهو إنجاز لا يُستهان به من النَّاحية الحضاريَّة اللُّغويَّة، وقد طُبعت نصوص تعليميَّة ودعويَّة بهذه اللُّغة الجديدة عام (1856م)، في حين لم يكن المستعمرون أنفسهم

 يعتبرون هذه اللُّغة جديرةً بالتَّداول على مستوى علميٍّ، ولكنَّ وضع رموزٍ كتابيَّة لها على أيدي المسلمين كان إيذانًا بفترة جديدةٍ من الرُّقي اللُّغويِّ، ونشوء لغةٍ جديدةٍ، تعدُّ اليوم من اللُّغات العالميَّة المتداولة.

 إن ما يفاجئ الباحثين في التُّراث الإسلاميِّ في جنوب إفريقيا، هو وفرة الكتب الإسلاميَّة المكتوبة بالعربيَّة الأفريكانيَّة، (بصرف النَّظر عن المنشورات العربيَّة الجاويَّة المذكورة)، وقد أحصَى بعض الدَّارسين المؤلَّفات القديمة التي وضعها العلماء الملايو فبلغت (74) مؤلَّفًا، في قائمة أوليَّة فيما بين عام (1856م)، وعام (1957م).[42] وكان استهلال هذا النَّشاط التَّأليفيِّ بكتاب:

"هداية الإسلام"، ويُذكر أنَّه أوَّل مؤلَّف بالعربية الأفريكانيَّة عام (1845م).ومن المؤلَّفات الشَّهيرة كذلك: [43]

• كتاب: "تحفة العوام في أصول الإيمان وأركان الإسلام" للشَّيخ الإمام عبد القهار بن عبد الملك عام (1868م.

 • وكتاب: "بيان الدين"، لأبي بكر أفندي، وهو في أصول المذهب الحنفي، نشر عام (1877م) بالقسطنطينيَّة.

 • وكتاب (Boek van Tougeed) أي: "كتاب التوحيد"، للإمام عبد الله بن عبد الرؤوف، عام (1890م).

 • وكتاب "سراج الإيضاح" في قواعد الإسلام والعبادات على المذهب الحنفي، مؤلِّفه الإمام هشام نعمة الله أفندي، عام (1894م)، وله أيضًا كتاب: "هذا علم الحلِّ للصبيان"، وهو في الفقه التَّعليميِّ في أسس العبادات والزَّكاة.

 • ومن الكتب المهمَّة في هذه القائمة كتاب "الرِّياض البديعة في أصول الدين وبعض الفروع الشَّرعيَّة" عام (1899م)، وموضوعه ظاهرٌ من عنوانه، للشَّيخ عبدالرقيب بن عبد القهار، وهو مترجمُ كتاب: "سفينة النَّجاة" للشيخ سالم بن سمير الحضرمي، ترجمه إلى العربية الأفريكانيَّة.

 • من الكتب أيضًا كتاب: "مطالعات لتدريس تلاميذ مدرسة الحبيبيَّة"، وهو كتاب تعليميٌّ تربوي في توجيه النَّاشئة إلى الأخلاق الإسلاميَّة، ومؤلِّفه الشيخ الإمام عبدالرَّحمن بن قاسم جميل الدين، عام (1907م)، وله أيضًا كتاب: "ترتيب الصَّلاة".

 ومن أهمِّ التَّرجمات إلى اللُّغة العربيَّة الأفريكانيَّة، كتاب: "المقدمة الحضرميَّة" للشيخ عبدالله بن الشَّيخ عبدالرَّحمن بَافَضْل الحضرمي، وهو في فقه العبادات، ترجمة الشَّيخ إسماعيل حنيف، وللشَّيخ الحضرمي أكثر من عشرين كتابًا، طُبع معظمُها في القاهرة والهند.

 هذا، وقد تداوَل المسلمون في المنفى الإفريقيِّ تلك المؤلَّفات فيما بينهم، وكان لهم تمسُّكٌ شديدٌ بها، خاصَّة في الحقَب الأولى، وكان بُعدُهم عن الموطن الأصليِّ، وندرة المخطوطات آنذاك، وقلَّة القادرين على النَّسخ, كلُّ ذلك كان سببًا لتمسُّكهم الشَّديد بتلك المخطوطات، وإضفاء شبه قدسيَّة عليها. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا النَّشاط التَّأليفي قد بدأ مباشرةً مع رفع الحظر الشَّديد عن الإسلام في أواسط القرن التَّاسع عشر الميلادي، واستمرَّ قوياً حتى أوائل القرن العشرين، حيث دخل في فترة ركود. (بحسب النَّماذج المتوفَّرة بين أيدينا).[44] وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه النَّماذج، هي ما كتبَ باللُّغة العربيَّة الأفريكانيَّة فحسب، وفي رأس الرَّجاء بالذَّات. أمَّا المؤلَّفات الإسلاميَّة باللُّغات الأخرى كالأرديَّة مثلاً، -كتبها الهنود - فلا شكَّ أنَّها كثيرة.

 ثانيًا: في المجال التَّعليمي (حركة التّعليم الإسلامي):

جاء تطوُّر الحركة التَّعليميَّة طبيعيًّا بدءً بالحلقات المنزليَّة "الدَّارات"، فالحلقات في المساجد، فالمدارس الحديثة. وهنا استعراضٌ لبعض تلك الأنماط:

(أ) حركة تحفيظ القرآن الكريم.

تعدُ حركة تحفيظ القرآن الكريم أول حركةٍ التزم بها عامة المسلمين في جنوب إفريقيا، ولا يخفى ما في هذا الالتزام بحفظ كتاب الله تعالى من قوَّة تكوينيَّة للمجتمع في تثبيت العقيدة والثَّقافة الإسلاميَّة. كانت حلقات حفظ القرآن تُعقد في بيوت المشايخ للرَّاشدين وللصِّغار.[45] ومن المشايخ الرواد في تحفيظ القرآن الكريم: الشَّيخ تُوانْ غورو، والشَّيخ إسماعيل معاوية ماني، وكانا حافظَين للقرآن الكريم. بالإضافة إلى هذين الرَّائدَين ظهرت أسماء كثير من المشايخ حفظة القرآن الكريم الذين تخرَّجوا على أيديهما، منهم: الشيخ محمد صالح عبادي في كيبْ تاوْن، والشَّيخ عبدالرحيم حسن صالح، وكان عالمًا حافظًا شهيرًا في جوهانسبرغ.[46] بالإضافة إلى مشايخ وحفظة مرموقين من أصل هندي.

 

وأما في العصر الحديث، فإنَّ هذه الحركة قد نحتْ منحى مؤسَّسيًّا أكثر تنظيمًا على أيدي ثلة من المشايخ الحفَّاظ، أمثال: الإمام عبد الملك حمزة في جوهانسبرغ، والإمام إسماعيل طالب في ضاحية بريتوريا، والإمام عبد الحميد مالك الذي افتتح مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بفريديدُورْب عام (1950م)، ومثله فعل الحافظ سليمان ميللر عام (1954م)، بافتتاحه مدرسة للتَّحفيظ في جوهانسبرغ. كما شهدت نقلة كميَّة في المدارس الخاصَّة، مثل: مدرسة الشيخ عبدالرَّحيم حسن صالح في فريديدُورْب - جوهانسبرغ، ومدرسة الشيخ عمر زرداد (ت1975م)، ومدرسة الإمام إبراهيم أحمد في مسجد رود بورت.[47] ومدرسة الشيخ إسماعيل محمد حسن بمسجد نيوكلير (Newclare)، عام (1970م)، ومدرسة الشَّيخ الحافظ عبدالرحمن مِيا (1911-2005م).

 ومن النَّتائج المباشرة لحركة التَّحفيظ في جنوب إفريقيا، وعلى الأقليَّة الملايويَّة خاصة، أنَّها حافظت على الكيان الإسلاميِّ صلبًا قويًّا، وحقَّقت للأقليَّة المسلمة اكتفاءً ذاتيّاً في "الكوادر" البشريَّة الإسلاميَّة. بل خرجت بجنوب إفريقيا من طور المحليَّة إلى العالميَّة، وتمثَّل ذلك في ابتعاث بعض الأئمَّة وأساتذة تحفيظ القرآن الكريم إلى الدُّول المجاورة، وإلى أمريكا وأوربا وأستراليا.

 (ب): التعليم الإسلامي.

جاء تأسيس المدارس الأولى في جنوب إفريقيا، وفي رأس الرَّجاء خاصَّة، متأخِّرًا جدًّا بالنِّسبة للحضور الإسلاميِّ في هذه المنطقة؛ وذلك للحظر الذي كان مفروضًا على نشاط المسلمين، بينما كانت الحرية متاحة للمدارس التنصيرية المدعومة من قِبَل الكيان الاستعماريِّ الهولندي.

 وكانت المدرسة الإسلامية الأولى هي مدرسة الشَّيخ توانْ غورو، التي أسَّسها إثر الإفراج عنه من السٍّجن عام (1793م)، وأنشأ الملايو مدرسة شارع دُورب (Dorp Street Madrasah)، في العام نفسه.

وعلى الرُّغم من هذا التَّأخُّر، وحرية النَّشاط التَّنصيريِّ، فإنَّ المنصرين لم يحقِّقوا نجاحًا يذكر، في حين نجحت المدرسة الإسلامية نجاحًا كبيرًا. يقول الباحث "روبرت شيل"، فإنَّ المدارس الإسلاميَّة الأولى القليلة في رأس الرجاء، التي أنشئت في عصر الرِّق، قد استقطبت الأطفال "الملوَّنين" بعدد يفوق المؤسَّسات التَّعليميَّة المسيحيَّة في مستوطنة رأس الرجاء مجتمعةً. وبلغ تعداد طلبة إحدى تلك المدارس التي أسَّسها أحد الأئمَّة عام (1820م)، أكثر من (370) طالبًا من الرَّقيق. ومدرسة أخرى للشَّيخ أحمد بنغلين (Achmat van Bengalen, d.1843)، لتعليم أبناء السُّود المحرَّرين والرَّقيق "المحمدانيِّين" في كيب تاونْ" بلغ تعداد تلاميذها (491) طالباً، وذلك في عام (1825م)،[48] وبحلول عام (1840م) بلغ عدد التَّلاميذ في رأس الرجاء قرابة (2451) تلميذاً في بضع مدارس يُشرف عليها عشرة من الأئمَّة.[49].

 ومن الإجراءات التي اتَّخذها الكيان الاستعماريُّ لمحاربة التعليم الإسلامي إلزاميَّة إلحاق جميع الأطفال بالمدرسة التنصيرية الهولنديَّة والإنجليزيَّة، ولم يجد المسلمون بُدًّا من الانصياع لهذا القانون الملزم، غير أنَّهم كانوا ينزعون الأطفال من المدرسة حين يبلغون العاشرة.. "إنَّهم يرسلون الأطفال (المسلمين) الصِّغار إلى المدرسة الهولنديَّة والإنجليزيَّة، ويبدي أولئك تفوُّقاً وذكاءً ملحوظاً، ولكنَّهم في سن العاشرة، يُسحبون للالتحاق بمدارسهم الملايويَّة الخاصَّة، وفيها يدرسون حتى سن الخامسة عشر"[50].

 ناشد المسلمون بريطانيا عام (1855م) لدعم نشاطهم التعليميِّ بتوفير دعاة ومعلِّمين أسوةً بغيرهم، وبوصفهم من دافعي الضَّرائب؛ فكان إرسال العالم الكردي أبي بكر أفندي إلى رأس الرَّجاء. والذي قدم جهوداً ملموسة في المجال التّربويِّ والتَّعليمي، فقام ببناء بضع مدارس من بينها مدرسة في مدينة كيبْ تاوْن، مخصَّصة للبنات في (1870م)، وكانت تحت إشراف إحدى زوجاته.[51] وتلك كانت البداية الحقيقيَّة للمدارس الإسلاميَّة بمفهومها الحديث.

 وعلى سبيل الإجمال، فإنَّ المدارس والمؤسَّسات التَّعليميَّة الحديثة في جنوب إفريقيا اليوم تزيد على (600) مؤسَّسة، تشمل المدارس الابتدائيَّة، والثَّانويَّة، والمعاهد الأهليَّة، والكليَّات المتخصِّصة، وأقسام الدِّراسات الإسلاميَّة في الجامعات الوطنيَّة والأهليَّة، وتُصنَّف بعض تلك المؤسَّسات التَّربويَّة على أنها أفضل المؤسَّسات التَّعليميَّة في جنوب إفريقيا.[52] بالإضافة إلى ذلك، يحتلُّ الدَّارسون في تلك المؤسَّسات الإسلاميَّة مراكز الصِّدارة في الامتحانات الوطنيَّة بالدَّولة.[53] وتشتهر جنوب إفريقيا بمنهج تربويٍّ قويٍّ خطَّطه تربويُّون مسلمون، وقد اعتمده كثيرُ من المسلمين في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وفي بريطانيا، وفي دول الجنوب الإفريقيِّ، وفي بنغلاديش وغيرها من الدُّول.

 ومن المؤسَّسات التَّربويَّة العالية سلسلة مدارس وكليات "دار العلوم"، وتخرِّج المتخصِّصين في الدِّراسات الإسلاميَّة، والأئمَّة الخطباء، والتَّربويِّين. ومنها الكلية الإسلامية في جنوب إفريقيا، وقسم اللُّغة العربيَّة - حديثًا - بجامعة "ويسترنْ كيبْ"، ومؤسَّسة دار الأرقم الإسلاميَّة، وتقدم برامج دبلوم عام في الدراسات الإسلاميَّة، ودبلوم عالٍ في اللغة العربية، وليسانس في العربية والشريعة.

 تجدر الإشارة بصورة عامة إلى أنَّ اللُّغة العربيَّة قد اعتُمدت في المرحلة الجامعيَّة بجامعة جنوب إفريقيا (UNISA)، منذ عام (1956م) بوصفها لغة سامية، وكذلك بجامعة دوربان (UD-W)، في الستينيات من القرن الماضي، وفي جامعة رأس الرَّجاء الغربية (UWC)، منذ عام (1975م)، إلا أن تدريس اللغة العربيَّة في تلك المؤسَّسات لم يحظ بالتَّطوير المأمول في محتواه وفي أساليبه ووسائله مقارنةً باللغات الأخرى. ناهيك عن أنَّ هذه المسيرة كانت بأيدٍ يهوديَّة في ظلِّ غياب أهل العربيَّة.

 ثالثاً: في المجال الاقتصادي والاجتماعيِّ والمؤسَّسات المدنيَّة:

تعود جذور العمل الخيري وخدمة المجتمع في جنوب إفريقيا إلى الفترات الأولى من دخول الإسلام إلى رأس الرَّجاء، كما سبقت الإشارة إلى بعض صورها لدى المشايخ الأوائل. ويعود النَّجاح الرَّاهن في العمل الخيريِّ المؤسَّسي إلى تلك الجذور الثَّابتة، والخبرات القديمة.

 ويشار في هذا الصَّدد إلى أنَّ المساجد الجامعة التي تتجاوز ستمائة مسجد في جنوب إفريقيا تقوم بأدوارٍ اجتماعيَّة، وتربويَّة كثيرة، من رعاية للفقراء، وإيواءٍ للعجزة، وتقديم دروسٍ وبرامج تدريبيَّة مختلفة، وتتقاطع أعمال المساجد بأنشطة المؤسَّسات الخيريَّة الكثيرة، منها على سبيل المثال: جمعيَّة مسلمي جنوب إفريقيا (SMA) التي أنشئت عام 1903م، وهي صاحبة السَّبق في إنشاء كثير من المدارس. ومن أكبر المؤسَّسات كذلك: اتِّحاد التُّجار ورجال الأعمال المسلمين (AMMTA)، والذي أنشئ عام 1906م، واتحاد علماء المسلمين في جنوب إفريقيا عام 1923م.

 ولا شكَّ أنَّ تلك المؤسَّسات قامت على قواعد متينة من الأسس الاقتصادية؛ فقد تميَّز المسلمون في جنوب إفريقيا منذ فترة الرِّق بالانخراط النَّشط في المجالات الاقتصاديَّة، بدءً بالمشايخ السُّجناء المنفيِّين؛ إذ كان معظمهم –بعد الإفراج عنهم- أصحاب أملاك وتجارة وظَّفوها في العمل الدَّعويِّ. فعلى سبيل المثال، يذكر أنَّ العدد التَّقريبيَّ للعبيد الذين نالوا حريَّتهم بمستوطنة الرَّجاء عام (1820م)، بلغ قرابة ألف وتسعمائة شخص، وكان مجموع ألف وستمائة من أولئك أصحابَ حِرَف وأملاك،[54] أضفْ إلى ذلك أنَّ الهنود الوافدين إلى جنوب إفريقيا بعد عام 1838م كان معظمهم تجَّارًا. وقد استمرَّ هذا التَّقليد لدى المسلمين؛ فغدوا أصحاب رؤوس أموال ضخمة في العقارات، والزِّراعة، وصناعة الملابس، وتوكيلات السَّيارات، وغيرها. ومن المؤسَّسات الاقتصاديَّة الخيريَّة: بنك البركة، ومؤسَّسة الأوقاف الوطنيَّة 2001م، وشركة التَّكافل 2003م. ومن إيجابيَّات ذلك، عمل الحركات الإسلاميَّة بهدوء، وبرؤية محلية واقعيَّة بعيداً عن الوصايا الخارجيَّة، والصِّراعات المذهبيَّة وخاصة في العالَم العربيِّ، والتي تجرُّ ذيولها على الحركات والمؤسَّسات الإسلاميَّة في العالَم الإسلاميِّ خارج الوطن العربيِّ.

 رابعًا: في المجال السِّياسيِّ ومقاومة المحتل:

للمسلمين في جنوب إفريقيا باع طويلة في التَّاريخ السِّياسي والنضال من أجل الحريَّات، بل إنَّ الوجود الإسلاميَّ الأول هناك كان نتيجة صراع المسلمين من أجل تأكيد الحريَّات، وتحرير المستضعفين،كما سبق بيانُه في فقرة ظروف دخول الإسلام إلى رأس الرَّجاء.

 أمَّا في العصر الحاضر، فإنَّ فترة النِّضال من أجل الاستقلال قد سجَّلت أسماء الكثير من الرِّجالات من قادة الشَّباب المسلمين، جنباً إلى جنبٍ مع حركات مناهضة الحكم العنصريِّ، وليس بوُسع أيِّ مؤرِّخٍ أن يتناول حركات مناهضة الحكم العنصريِّ، ويؤرِّخ لجنوب إفريقيا دون أن يقف عند قاماتٍ سامقة من المسلمين المناضلين أمثال: الإمام عبدالله هارون، وأحمد تيمولْ اللَّذين قُتلا على أيدي الجيش العنصريّ[55]، ومنهم: إبراهيم إبراهيم الذي أمضى عشرين سنة بالسِّجن، وأحمد كاثرادا (Kathrada) الذي قضى كذلك عشرين سنة في سجن روبِن، وأمثالهم من السِّياسيِّين بحركة الكونغرس الإفريقيِّ الوطني (ANC)، والشيخ مولانا كشاليا (Cachalia)، لقدكانت تضحيات أولئك وأمثالهم جسرًا إلى عصر الحريَّة... بجنوب إفريقيا (1994).[56] ولا يزال المسلمون نشطين في العمل السِّياسيِّ، فهناك وزراء مسلمون، ونُوَّاب ومحامون.

 خامساً: في المجال الإعلامي:

يوجد للمسلمين في جنوب إفريقيا نشاطٌ إعلاميٌّ قويٌّ في النشر الصحفي، وفي نشر الكتب، والمحطَّات الإذاعيَّة المحليَّة، مثل: راديو إسلام، وراديو 786، وصوت الكيب ،[57] Voice of the Capeوغيرها من المؤسَّسات الإعلامية.

 ختاماً لهذا الجانب من بيان الإنجازات المتحقَّقة في التَّاريخ الإسلاميِّ في جنوب إفريقيا، نذهب إلى أنَّ الأقليَّة المسلمة في جنوب إفريقيا تُعدُّ اليوم نموذجًا يحتذى لكثير من مثيلاتها من الأقليَّات المسلمة في العالَم بما حقَّقته من نجاحات سياسيَّة واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، وغيرها من أوجُه النَّجاحات.

 تحدِّياتٌ وفُرصٌ أمام الدَّعوة الإسلاميَّة بجنوب إفريقيا:

هناك جملةٌ من التَّحديَّات التي تواجه المجتمع المسلم في جنوب إفريقيا، في مختلف مجالات الحياة، وهي كثيرة، وفي الفقرات الآتية بيانٌ لبعضها.

 أوَّلاً: تحدِّيات اقتصاديَّة.

على الرُّغم ممَّا تميَّز به مسلمو جنوب إفريقيا من انخراطٍ نشط في المجالات الاستثماريَّة منذ عصر الرِّق، ونجاحهم النِّسبي في التجارة، فإنَّ ثمة تحدِّياتٍ لا تزال تعترض انخراطهم الحقيقيِّ في صلب الجهاز الاستثماري في القطاعات الكبرى بالبلاد، مثل: قطاع المناجم والتَّصنيع. وهذا التَّأخر راجع -في الواقع- إلى السِّياسات العنصريَّة المتعاقبة التي منعت دخول غير المستوطنين البيض في أنشطة استثماريَّة معيَّنة. ومعلومٌ أنَّ هذه السِّياسة قد انتهت وزالت، إلا أن اختراق المسلمين للجهاز الاقتصادي في القطاعات الكبرى لا يزال ضعيفاً؛ حيث إنَّ الشَّركات الكبرى تستحوذ على الفُرص في تلك القطاعات، مع تدنِّي رؤوس الأموال الإسلاميَّة في هذه المجالات.

 ثانيًا: تحدِّياتٌ اجتماعيَّة.

لا تكاد التَّحدِّيات الاجتماعيَّة لدى مسلمي جنوب إفريقيا تختلف عنها لدى عامَّة الشَّعب - مسلمين وغير مسلمين -، ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى ما تركته سياسة التَّمييز العنصري من ترسُّبات في المجتمع؛ حيث قُسِّم المسلمون قسْرًا –في ظلِّ تلك السِّياسة- إلى تجمُّعات عرقيَّة تعيش في كانتونات وغيتوهات (ghettos)، وعلى الرُّغم من شجب المسلمين جميعاً لهذه السِّياسة، ووعيهم بضرورة الخروج عن تلك الدَّوائر الجائرة التي رسمتها السِّياسة العنصريَّة، فإنَّ خيوط "العرقيَّات" قد تمكنت بقوة من النَّسيج الاجتماعيِّ، وتكوَّنت أجيالٌ في ظل هذا الواقع، وتعلَّمت في "المدارس العرقيَّة"، فأصبح من الصَّعب الخروج النِّهائي من هذا الواقع، ولكن المغالبة مستمرة للتَّخلُّص من الأفكار والممارسات التي توسِّع الفجوة بين الأعراق المتعدِّدة في مجتمع الجنوب الإفريقيِّ.

 وربما يقدر للملايو أن يقوموا بدَوْرٍ ملموسٍ في تحقيق الوئام الاجتماعيِّ؛ لظروف تاريخيَّة في صالحهم، منها أنَّ ما يُطلق عليه "ملايو" هويَّة موسَّعة، تضم أنواعاً من الثَّقافات والأجناس المختلفة من أبناء الرَّقيق المنحدرين من آسيا الشَّرقيَّة، وجنوب شرق آسيا على السَّواء، والموزمبيق، والعرب، والخويْ سانْ، أي أنَّ كلمة "ملايو" ترادف كلمة "مسلم" غير هندي.[58] إن التَّداخُل العرقيُّ بين الملايو وبين كثير من الأجناس، يجعلهم في موضع جيِّدٍ لتحقيق الانسجام بين الجميع. هذا بخلاف الهنود -مثلاً- الذين لم يتمتَّعوا -في الغالب- برؤية إيجابيَّة لدى السُّود؛ لكونهم –في نظر أولئك- مستغلِّين مثل البيض المستعمرين.[59] وقد أضرَّ ذلك في فتراتٍ كثيرةٍ بالدَّعوة،[60] وبرؤية السُّود إلى الإسلام على أنَّه "دينٌ استعباديّ"، أو "دينُ الهنود العنصريٍِّين".[61].

 الأفارقة السُّود فرصة دعويَّة:

من الفرص الدَّعويَّة في جنوب إفريقيا اليوم، إقبال الأفارقة السُّود من قبائل الزُّولو، والخوسا، وغيرهم على الإسلام، ولم يتسنَّ لنا الاطِّلاع على إحصائيَّة حديثة ودقيقة عن نسبة المسلمين السُّود فيها، غير أنَّ دراسة عام2001م تشير إلى أنَّ عددهم بلغ قرابة (74.701) نسمة.[62] وقد عدَّت حقبة الثمانينيَّات والتِّسعينيَّات من القرن الماضي، فترةً نشطة في إقبال السُّود المطَّرد على الإسلام، غير أن ذلك لم يكن –مع الأسف- ناتجاً عن نشاطٍ دعويٍّ حقيقيٍّ داخل البلاد، وإنَّما عن ظروف أخرى غير مباشرة، مثل نزوح كثير من الشَّباب إلى موزمبيق وملاوي فرارًا من الحكم العنصريِّ، و هناك اعتنقوا الإسلام.[63] ولا شكَّ أنَّ إسلامُ بعض الأفارقة السُّود، وهم يمثِّلون نسبة (75%) من مجموع السُّكان، يمثِّل كسبًا دعويًّا استراتيجيًّا، يرفع من شأن المسلمين من حيث العَدد والعُدد. وهناك بعض المقالات والتَّقارير التي تؤكِّد تزايُد إقبال الأفارقة السُّود على الإسلام، خاصَّة في صُوِيتُو وغيرها؛ لما وجدوا فيه من قيم نبيلة، وحلولٍ للمشكلات الاجتماعيَّة من إجرام، ومخدرات، وفقر، ومرض الإيدز، وعنصريَّة وتمييز بين الأعراق والأجناس.. وغير ذلك من المشكلات.

 خلاصة:

بهذا العرض لتاريخ الإسلام والمسلمين بالجنوب الإفريقيِّ، والتَّركيز على جمهوريَّة جنوب إفريقيا، باعتبارها النَّواة الحقيقة للإسلام بهذه المنطقة، نجد أنَّ حالة المسلمين بهذه المنطقة، تؤكِّد لنا حقيقةً اجتماعيَّة ثابتة، وهي عدمُ وجود ارتباط عضويٍّ ضروري مباشرٍ بين وضع الأقليَّة وبين الواقع الدِّيموغرافي (الديناميات المتعلقة بحقوق السكان) بمعنى أنَّ الكثرة أو القلَّة، لا تقوم عاملاً ضروريًّا لاعتبار مجموعةٍ عرقيَّة أو دينيَّة معيَّنة أقليَّة أو أكثريَّة، وإنَّما يحكم ذلك قوَّة العُدَد، ودرجة التَّنظيم الاجتماعيِّ التي حقَّقتها المجموعة في ظرفٍ تاريخيٍّ محدَّدٍ من وجودها. ولعلَّ مصداق ذلك قول ذي العزَّة والجلال: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]. ومن الأمثلة القريبة في ذلك، أنَّ ما كان يعتبر أقليَّةً في فترة الحكم العنصريِّ في جنوب إفريقيا، أي (الزُّنوج) كانوا يمثِّلون قرابة 80% من مجموع السُّكان، ولكنَّهم –على الرُّغم من ذلك- كانوا يعدُّون أقليَّة مضطهدة[64].

 فالمسلمون في جنوب إفريقيا خاصَّة، وإنْ كانوا لا يتجاوزون كثيرًا نسبة2% من مجموع السكان، فإنَّهم أقليَّة معتَبرة، لها وزنها وقوتها في المجتمع، وما ذلك إلاَّ – بتوفيق من الله - ثمَّ صبرٍ على المكاره، وعمل دؤوب. ولعلَّ التَّهديد الشَّرس للوجود الإسلاميِّ بجنوب إفريقيا منذ أنْ حلَّ بها المسلمون هو ما أرهف حساسيَّتهم لمواجهة هذا التَّحدي، والتعامل بحنكة مع معادلاتٍ صعبة، كالتَّوازن بين الاندماج وبين عدم الذَّوَبان في الأكثريَّة، وحتى يبقى هذا البناء الإسلاميُّ - الذي بناه السَّابقون - صامداً، فلا بدَّ من العناية به، والدعوة إليه. ولا شكَّ أنَّ الفُرص للمسلمين في الجنوب الإفريقيِّ متاحة، وأكبر تلك الفرص مرونة شعوب المنطقة - إنْ لم نَقلْ القارَّة - وتقبلهم للإسلام، وتجنيد أنفسهم لخدمته والدَّعوة إليه. هذا، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


[1] المنفذ الأوَّل هو الشرق الإفريقي، وكان النفوذ الإسلامي الأول منه منذ العهد النَّبوي، متمثَّلا في الهجرة الأولى إلى الحبشة. والمنفذ الثاني هو الشمال الإفريقيّ، وعبر فيه الإسلام الصَّحراء الكبرى إلى غرب إفريقيا، وبذلك يكون المدُّ الإسلاميُّ في إفريقيا أشبه بكائن حيٍّ يُطوق هدفه من جميع جوانبه، ويحكم به قبضته.

[2] See for instance: J. D. Fage, Roland Anthony Oliver (ed). The Cambridge History of Africa, (Cambridge University Press, 1986), p567.

[3] Elizabeth Isichei, A History of African Societies to 1870, (Cambridge University Press, 1997), p141-150.

[4] الحموي، ياقوت بن عبد الله. معجم البلدان، (بيروت: دار الفكر، د.ت)، 3/224.

[5] ابن خلدون، المقدمة، 1/7.

[6] مروج الذهب، مصدر سابق، ص40.

[7] المصدر السابق، ص174.

[8] Fernand Braudel, Siân Reynolds, Civilization and Capitalism 15th-18th Century, (CA: University of California Press, 1992), p13.

[9] ماكيفيدي كولين. أطلس التاريخ الإفريقي، ترجمة مختار، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)، ص69.

[10] Philip, Curtin. African History from Earliest times to Independence, (London: Longman, 2nd. Ed. 1995), p250-251.

[11] Peter S. Garlake. Early Art and Architecture in Africa, (Oxford University Press, 2002), p184.

[12] Timothy, Insoll. The Archeology of Islam, p368.

[13] Ibid, p364.

[14] Ebrahim, Moosa. P130.

[15] نظرًا لانتشار قبال الياو في معظم أرجاء إفريقيا الشرقية والجنوبية، فقد تعددت أسماؤها، ومن ذلك: wayao و veiao، و adjao، وحصرت دراسة قديمة منذ ثلاثين عاما، تعدادها بأكثر من ثمانية ملايين نسمة، وأن أكثر من نصف هذا العدد مسلمون. ينظر: Richard V. Weekes (ed), Muslim Peoples: A world Ethnographic Survey, (Westport USA, Greenwood Press), p870.

[16] Timothy, Insoll. The Archeology of Islam, p394.

[17] Op. Cit. p393.

[18] ฺBone, 1982, p130.

[19] E. M. Wherry, Islam and Missions, (READ BOOKS, 2007), p15.

[20] Robert Shell, op. cit. p276.

[21] Pathisa Nyathi. Zimbabwe's cultural heritage, (African Books Collective, 2005), p95.

[22] David Westerlund, Ingvar Svanberg, Islam Outside the Arab world, (Palgrave Macmillan, 1999), p114.

[23] See: Rodrick Mukumbira, “Islam in Namibia. Making an Impact”, on: Sun, 4 Jun 2006.

[24] See: Jeff Ramsay, Barry Morton, Fred Morton, Historical Dictionary of Botswana, (Scarecrow Press, 1996).

[25] James Raymond Denbow, Phenyo C. Thebe, Culture and customs of Botswana, (Greenwood Publishing Group), 2006, p39.

[26] David Westerlund, Islam Outside the Arab world, op. cit. p114.

[27] Ibid, p115.

[28] Tayob, Abdulkader. Islamic Resurgence in South Africa, (Juta and Company Limited, 1995), p40.

[29] P. M. Holt Ann & K. S. Lambton Bernard. The Cambridge History of Islam, (Cambridge University Press, 1995) p404-405.

[30] The Archeology of Islam, p375.

[31] Kerry Ward. Network of Empire Networks of Empire: Forced Migration in the Dutch East India Company (Cambridge University Press, 2008), p209.

[32] Selim Argun, The life and contribution of the Osmanli Scholar, Abu Bakar Afendi, 2000, p. 4.

[33] Robert Shell, “Between Christ and Mohammed…”, in: Richard Elphick T. R. Davenport, Christianity in South Africa, (James Currey Publishers, 1997), p269.

[34] Bradlow, p20, in Shell, p42.

[35] Ebrahim Mahomed, Mahida. History of Muslims in South Africa: A Chronology, (SA: Arabic Study Circle, 1993).

[36] Richard Elphick, T. R. H. Davenport. Christianity in South Africa: a Political, Social, and Cultural History, (James Currey Publishers, 1997), p268.

[37] Robert Shell, op. cit. p269.

[38] Robert Shell, p271, and Davids, 1991, p32-36

[39] Madeleine, Barnard. Cape Town Stories, (Struik, 2007), p58-65.

[40] Robert Shell, p271. Karel, Schoeman. The Early Mission in South Africa, (Indian: Protea Book House, 2005), p57.

[41] John, Edwin Mason, Social death and resurrection: slavery and emancipation in South Africa, (University of Virginia Press, 2003), p183-184.

[42] See: Muhammed Haron. “The Making, Preservation and Study of South African Ajami Mss and Texts”, Sudanic Africa, (12), 2001, 1-14.

[43] See: Gerald, Stell. “From Kitab-Hollandesch to Kitaab-Africaans: The Evolution of a non-white Literary variety at the Cape 1856-1950”, Stellenbosch Papers in Linguistics Vol. 37, 2007, pp89-127.

[44] Heinrich Matthée. Muslim identities and political strategies: A case study of Muslims in the greater Cape Town area of South Africa, 1994-2000, (Kassel University press GmbH, 2008), p95-96.

[45] Davids, Achmat. Afrikaans of the Cape Muslims from 1815-1915, Unpublished M.A. Thesis, University of Natal D/U, 72.

[46] Da Costa, Yusuf et al, Pages from the Cape Muslim history, Cape Town: Shutter and Shooter, 1994, p. 21

[47] Moegamat A. P. op. cit. p. 35.

[48] Ibid. p.103.

[49] See Moegamat A. P. op. cit. p.103.

[50] Robert Shell. Madrasahs & Moravians: Muslim Education Institutions in the Cape Colony 1792-1910, New Contree No. 51 (May 2006), University of the West Cape, p.106.

[51] See. Moegamat Abdulrahgiem Paulsen, The Malay Community of Gauteng, (MA), 2003,. P. op. cit. p.110

[52] من ذلك مدرسة أزادفيل (Azadville) الإسلاميَّة، وتصنف بأنها أفضل مؤسَّسة تعليميَّة أهليَّة في جنوب إفريقيا.

[53] Moulana Ebrahim I. Bham, “Muslims in South Africa”, op. cit.

[54] Heinrich Matthée. Muslim identities and Political Strategies: A case Study of Muslims in the Greater Cape Town area of South Africa, 1994-2000, (Kassel University Press, 2008), p71.

[55] See for instance: Stephen Ellis, Tsepo Sechaba, Comrades against apartheid: the ANC and the South African Communist Party in exile, (Currey Publishers, 1992), p72.

[56] See: Roger B. Beck. The history of South Africa, (Greenwood Publishing Group, 2000).

[57] See: David Chidester, Abdulkader Tayob, Wolfram Wei, Religion, politics, and identity in a changing South Africa, (Waxmann Verlag, 2004), p125-.

[58] Muhammed Haron. “Conflict of Identities: The Case of South Africa’s of Cape Malays”, paper presented at the Malay World Conference, K.L, 12-14 Oct., 2000.

[59] Multiple Communities, p.4 quoted from. Vawda, 1993: p49.

[60] Heinrich Matthée. Muslim identities, op. cit, p105.

[61] Yusuf Ahmed, “South African Muslims, Is Apartheid's Spirit Alive?” On: March 16, 2006, www.islamonline.net.

[62] See: Muhammed Haron, Islamic Culture Amongst the Ngun People, (Dept. of Arabic Studies, Unv. Of Eastern Cape, SA, 1998).

[63] “Multiple Communities? Muslims in Post-Apartheid South Africa”, p4.

[64] Odd-Bjørn Fure. “How to Integrate Minority Narratives into National Memory?” HL-senteret – EPHE, Sorbonne, Oslo, May 2008. p. 3.

 

0 شخص قام بالإعجاب