أضواء إسلامية على المجتمع الصالحمقالات

معوض عوض إبراهيم

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي، العدد السادس عشر، السنة الثانية، ربيع الثاني 1386هـ

 

حين يتدابر الناس في غير حق، وتتنافر منهم القلوب، وتتناكر الوجوه في فترة من فترات الحياة ويمضون أفرادًا وجماعات أوزاعًا، لا تعطف بعضهم إلى بعض واشجة من وشائج الدين، ولا تحكم وثاقهم رابطة من روابط القربى، ولا تشد عراهم آصرة من أواصر الأخوة الإنسانية الجامعة، يكونون بذلك أهون على الله، وعلى الحياة والأحياء، وعلى أنفسهم من غثاء السيل، الذي لا تتعلق به نفس، ولا يحسب حسابه أحد، ويكونون كذلك واقعًا مؤلمًا من نذير الصادق الصدوق صلوات الله عليه، في قوله: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أوَمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فقال: لا بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في صدوركم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ فقال: حب الدنيا وكراهية الموت).

وحب الدنيا التي خلقها الله لعباده، واستخلفهم فيها لينظر كيف يعملون، وكراهية الموت، وهو سبيل كل حي ونهاية مطاف كل موجود، حيث يبدو الناس بعده على حقائقهم مجردين من ثياب الزور، وأقنعة الإثم التي قضوا وراءها حياتهم، لا يفسحان في رزق عبيد الحياة ولا يؤخران أجل الله إذا جاء ودنت مشارع الآخرة، فإذا قضي إلى هؤلاء أجلهم وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم واستراحت كواهل الناس من ثقلهم الفادح، لم تجزع لمهلكهم نفس، ولم تبكهم عين، وإنما يتنفس الناس الصعداء، وهم يذكرون من مصارع الظالمين ومصاير المفسدين في القرآن الكريم، قول الله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}.

قال الهيثم بن عدي: بينما حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي يتذاكران أعاجيب الزمان، وتغير الأيام، وهما في عرصة إيوان كسرى، وكان أعرابي من غامد يرعى شويهات له نهارًا، فإذا كان الليل صيرهن إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام، كان كسرى ربما جلس عليه، فصعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى!

وهكذا تتقلب الحياة بالمفتونين بها عن الله بين لين وعنف، وقسوة ولطف، ووصل وصد، وابتسام وعبوس، وهي في إقبالها وإدبارها كنار القش تذهب صاعدة في الجو حتى تمتلئ بها العيون، وتجتليها الأبصار، ثم تحور بعد لحظات رمادًا مكانه بين الأقدام، وفي مهب الرياح {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا}.

إن ميزة الإنسان الأولى هي أن يألف الناس، ويألفوه، ويودهم ويودوه، على أساس من الحق الذي لا يعرف بالرجال ولكنهم يعرفون به، وفي أضواء فطرة الله التي فطر الناس عليها، وبصراحة ووضوح لا يطويان خلالهما من عناصر الشر والفساد شيئًا، وأن يكون المرء إيجابيًّا فعالًا فيما حوله منفعلًا بهم، يعمل لله وللحياة مع إخوانه قدر إمكانه، دون أن يجمد في مكانه، أو يعزل عن الركب نفسه، فيصير مناخ الشيطان، ووسيلته وسبيله إلى ما استهدف -منذ كان- من ضلال وخسران، وإذا كان الرسول صلوات الله عليه يقول: أن الشيطان مع الواحد، وهو مع الإثنين أبعد فهو يقول: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) ويؤكد عليه السلام أن من شرار الناس من نزل وحده وجلد عبده ومنع رفده أي عطاءه، وأن أكثر منهم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره.

ولو أن كل واحد من هؤلاء أضاء في أقل القليل عن طريق الحياة شمعة بدل أن يلعن الظلمات كما يقولون لملأت هذه الشموع بالنور دنيا الناس، وكشفت لهم معالم طريق الخلافة الحقة عن الله، وجعلتهم وجهًا لوجه أما العزة التي قاسمها الله عباده المؤمنين في قوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.

ولعل اسم الإنسان يجلو معاني الأنس والانسجام والتفاهم، والوئام التي لا يترابط الناس بعد الإيمان بالله بأمثل منها، والتي تبعد عن طريقهم الوحشية والسلبية و(الأنا) التي أخرجت إبليس مذمومًا مدحورًا من حظيرة القدس، وهي مخرجة أشياعه من سكينة الدنيا ودعة الحياة قبل أن يلاقوا حساب الله.

والرسول صلوات الله عليه يقول: (المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).

وما أمتن الله على رسوله بقوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، إلا بعد أن منحه من كريم الشيم، وشريف الخلائق، ما يشير سبحانه إليه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

إن الرفق بالناس يثمر استلانة قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان، ولقد جبلت النفوس على حب من عرف لها كرامتها، وصان عزتها، وخالطها مخالطة خيرة نيرة، ومن مأثوراتنا: إن قلوب الناس وحشية فمن تألَّفها أقبلت عليه.

ولا يستطيع أن يصنع ذلك سلطان قاهر يضمحل غدًا ويزول -فكل حال لضده يتحول- فإذا الذين كانوا بالأمس مقهورين، يصبحون أعزة قادرين على الأعراب عن رأيهم، والتعبير في أنفاس الحرية عن وجهات نظرهم في التعمير، والبناء والإخاء والرخاء، بحكمة وسداد لا بغدر ومكر وإفساد، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.

والنبي صلوات الله عليه يقول: (إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون المفرقون بين الأحبة الباغون العيب للبرآء) الطبراني.

وما أكثر ما تكلف الحياة الأتقياء الأنقياء من صعاب، إنهم يرتفعون بأنفسهم عن المستوى الأخلاقي النازل في مجتمع من المجتمعات، ويربؤون بها عن التدلي إلى ما يخر فيه الأذقان من سفساف الأمور أقوام، ويعيشون في الجو الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل لأحد حكماء العرب.. أخبرني كيف أسلم من الناس؟ فقال بثلاثة أشياء:

  1. تعطيهم مالك ولا تأخذ مالهم.
  2. وتقضي حقوقهم ولا تطالبهم بقضاء حقوقك.
  3. وتصبر على آذاهم ولا تؤذهم.

فقال الإمام أحمد: إنها لصعبة، فقال الحكيم: وليتك مع هذا تسلم..

أجل إن السلامة من ألسنة الناس بعيدة المنال، صعبة المدرك، وما سلم الله سبحانه من عباده الذين يعطيهم بحكمته، ويبتليهم بلطفه ورحمته، ولا سلم النبيون والصالحون عبر التاريخ من ألسنة التافهين الذين لا يعرفون شرف الكلمة، ولا أمانة القلم الذي جعلوه في أيديهم معول هدم، وأداة تحريف للكلم عن مواضعه، وليكن سلوى الذين استحفظوا مواريث الفضيلة، والخير مما ينبحهم به النابحون في كل اتجاه، هذا الأدب الرباني: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

ويقول مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره ما يقول الناس فيه. ويقول الإمام الشافعي: احرص على ما ينفعك ودع كلام الناس فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة.

والكلمتان تكشفان من أخلاق الناس جوانب لا بد أن تكون قيد النظر، وموضع الاعتبار، فالمرء مسؤول مسؤولية كبرى عن أقواله وأعماله، فهما المرآة التي ينظر الله والناس من خلالها إليه بعيدًا عما تواضعوا عليه من أحساب وأنساب، وألقاب ودرجات علمية لم يطل بها ذووها على جمال الحق والخير، ولم تهدهم إلى ما يحب الله من ولاء، ولدينه من اتباع وإذعان.

وإلى الذين يحرصون بمناسبة وبغير مناسبة على التحرش بالعلماء والتشكيك فيما يذكرون به من مقررات الإسلام وأحكامه الوضيئة الدافعة للحركة والسبق، إلى هؤلاء الكتاب في أقطار وأمصار يتجه قول رسول الله صلوات الله عليه وسلامه: ((ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه[1])). ولقد خطب زياد على منبر الكوفة يومًا فقال: "أيها الناس، إني بت ليلتي هذه مهتمًا بخلال ثلاث: رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة، رأيت أعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان، والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك من شرفه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، إنما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوي أسنانهم" جامع بيان العلم لابن عبدالبر.

ويقول الإمام الشافعي: أظلم الناس اللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه، وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل.

وذنب أولى الفضل عند الذين لا يتقون الله فيما يسودون في صحف ومجلات يجلوه قول أبي حيان التوحيدي في كتابه الإشارات الإلهية: اللهم إنهم عادونا من أجلك، لأننا ذكرناك لهم فنفروا، ودعوناهم إليك فاستكبروا، وأوعدناهم بعذابك فتحيروا، ووعدانهم بثوابك فتجبروا، وتعرفنا بك إليهم فتنكروا، وصناك عنهم فتنمروا.

ذكر ابن عائشة قال: كان الخليل بن أحمد يحج سنة، ويغزو سنة، إلى أن مات، وبعث إليه سليمان بن علي الهاشمي بطرف وكساء وفاكهة، فقبل الفاكهة ورد ما سواها، وأرى الرسول ما بين يديه من خبز يابس وقال: ما عندي غير هذا، وما دمت أجده فلا أحتاج إلى سليمان، ولا غيره، قال الرسول أفأبلغه عنك؟ فقال:

أبلغ سليمان أني عنه في دعة ** وفي غنى غير أني لست ذا مالِ

سخا بنفسي أني لا أرى أحدًا ** يموت هزلًا ولا يبقى على حالِ

والرزق عن قدر لا العجز ينقصه ** ولا يزيدك فيه حول محتالِ

والفقر في النفس لا في المال نعرفه ** ومثل ذاك الغنى في النفس لا المالِ

فهل تلتقي الوجوه والقلوب على الحق؟.. هذا رجاء إلى لقاء.

 

[1] الترمذي عن أنس وأحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت.

0 شخص قام بالإعجاب