الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
إن من جملة ما يحتاج إليه الإنسان أيَّما احتياج في هذه الحياة – حتى يعيش هانئًا دون كدر ، ويتغلَّب على مصاعب الحياة – التفاؤلَ ، أو الفأل الحسن ؛ حيث إن الإنسان في حياته يُقدِم على أمور كثيرة لا يدري ما عاقبتها ؟ ويواجه تحدِّياتٍ ومصاعبَ جمَّةً ، فيحتاج إلى نفسية مطمئنَّة مستقرَّة ، أما إذا كانت نفسيته مضطربةً قلقلة ، فلن يُنجز ولن يؤدِّيَ ما يجب عليه القيام به ؛ بل إنه سيَعْتَوِرُه النَّكد والقلق والضِّيق بصُوَره المختلفة طوال الوقت ، حتى في أحلامه !
وقد حضَّ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الفأل ، وهو من هَدْيِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ ؛ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» متَّفَق عليه .
هذا منهج وطريق رَسَمه النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -للمؤمنين : «وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ ؛ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» ، يُعجبني الفأل الصالح ، يعيش المؤمن متفائلًا ، ومُنطلَق التفاؤلِ هو الكلمة الحسَنة ، التي تُريح النفس ، وتملؤها بالأمل في الخير القابع في المستقبل ، فيزداد إيمانًا بُحسن ظنِّه في ربِّه - سبحانه وتعالى – حيث يؤمن أنه لن يكون في هذا الكون إلا ما أراده الله وقدَّره ، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأَجَلها ، فيتوقَّع الجميل من الله تعالى وينتظره منه دائمًا ، مهما مرَّ به من الصعاب التي يظنُّ الإنسان أنه لا نجاة منها ، ويتذكر كلَّما مرَّت به مُهلِكة في ظنِّه ، ما أصابه من المهالك قبلها ، وكيف هيَّأ الله له الأسباب لينجوَ منها ، بعد أن كاد يقتله اليأس من الفرج .
لقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم – يطبِّق الفأل الحسن في كل الأمور الحياتية اليومية ؛ مثل أنه لدى زيارة المريض تجده - صلى الله عليه وسلم – يقول له : «لا بأس طهور إن شاء الله» ؛ فيفتح أبواب الأمل لذلك المريض بما سيكون له من الشفاء بأمر الله تعالى . أما من لا يظن بربِّه خيرًا ، فماذا ينتظره ؟!
في حديث البخاريِّ : عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ ، قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ : «لاَ بَأْسَ ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، فَقَالَ لَهُ : «لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، قَالَ : قُلْتَ : طَهُورٌ ؟ كَلَّا ؛ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ ، أَوْ تَثُورُ ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ ، تُزِيرُهُ القُبُورَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «فَنَعَمْ إِذًا» .
فذلك الأعرابيُّ يقول له النبيُّ – صلى الله عليه وسلم - : «لا بأس» ؛ أي : لا شدَّة عليك ولا عذاب ؛ أي : رفع الله عنك ذلك . «طهور» ؛ أي : تكفير للذنوب ، فكان ردُّ ذلك الأعرابيِّ على النبيِّ – صلى الله عليه وسلم - : "كلا" ؛ أي : ليس كما قلتَ ؛ " بَلْ هِيَ حُمَّى" ؛ أي : مرض مصحوب بالحرِّ . "تفور" يَظهَر حرُّها . "تُزيره" من أزاره إذا حمله على الزيارة وأجبره .
فكان ردُّ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – عليه : «فنعم إذن» ؛ أي : لك ما أحببتَ ورغبتَ به من الموت .
فذلك ظنُّه بربِّه - سبحانه وتعالى – فسينال ما أحبَّ ورَغِب به ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» رواه مسلم.
فالله – سبحانه وتعالى - عند ظنِّ عبده به ، فمَن ظنَّ في الله الخير ، كان الله له على الخير ، ومَن ظنَّ بالله شرًّا وسوءًا ، كان على مثل ما ظنَّ هذا الإنسان .
إنه لم يُحسن أحد الظنَّ بالله تعالى إلا وجد خيرًا كثيرًا ؛ ولكن الإنسان أحيانًا – حسب قوة إيمانه - تطغى عليه المشاعر الحسية الإنسانية المقيَّدة بقدراته العقلية ، فيتناسى وعد الله ، ويصير كلُّ أمله متعلِّقًا بالأسباب المادية في ذاته وجهده وقدراته وإمكانياته، أو مساعدة من حولَه، ويعتمد على ذلك ، فيوكِله الله تعالى إلى ما اتَّكل عليه .
أما الإنسان الذي يُحسن الظن بالله تعالى ، ويتوكَّل عليه ، ويأخذ بالأسباب ؛ طاعةً لله ، لا اتِّكالاً عليها ، فيفوِّض أمره إلى مسبِّب الأسباب سبحانه ، فسيكفيه الله ما أهمَّه ، وسيجد خيرًا كثيرًا .
لقد خلق الله تعالى الإنسان في كَبَد ، يصارعه في هذه الحياة الدنيا ، فلو لم يُحسن الظن بربه ، ويتفاءل دائمًا أن الخير قادم ، لعاش في ضيق ، وتكالبت عليه الهموم ؛ وما أجملَ قولَ الطُّغَرائيِّ :
أُعَلِّــلُ النَّفْسَ بِالآمالِ أَرْقُبُهَا = ما أَضْيَقَ العَيْشَ لَولَا فُسْحَةُ الأَمَلِ
فما أشدَّ حاجةَ الإنسان إلى اتِّباع هَدْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم – بالعيش متلبِّسًا بالفأل ، والأمل في الخير ، وحسن الظن بربه ؛ حتى يؤتيَه الله تعالى ظنَّه ، ويستجيب دعاءه .
وما أقبحَ الحياةَ للإنسان الذي كلما تضيق به الأحوال ، لا يتَّبِع هذا المنهج النبويَّ العظيم ، فتتكالب عليهم الهموم ، وتتنزل عليه المشكلات تترى من كل حَدَب وصوب ، ويَيْئَس من رحمة الله ، فينتقل من عثرة إلى عثرة ، ومن حفرة إلى حفرة أعمق ، ومن مشكلة إلى مشكلات جمَّة ، حتى يتمنى الموت ، وربما قرر الانتحار ، وكل ذلك لأنه فقد الطريق ، وسار في طريق مظلم ، بعيدًا عن هَدي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ، وما أجملَ قولَ أبي العتاهية :
هِيَ الأَيَّامُ وَالْعِبَرُ = وَأَمْرُ اللَهِ يُنْتَظَرُ
أَتَيْئَسُ أَنْ تَرى فَرَجًا = فَأَيْنَ اللَهُ وَالقَدَرُ
المستودع الدعوي الرقمي نسعى لتكوين أكبر مستودع معرفي ومعلوماتي للدعوة والدعاة حول العالم، من خلال توفير الملفات والتقارير والبيانات الخادمة للعاملين في الدعوة إلى الله.
اسأل بأي لغة. الإجابات مبنية على محتوى الموقع المفهرس مع توثيق المصادر.
