الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومَنْ ولاه ، وبعد :
إن الحياء هو رأس الفضائل والشِّيم والأخلاق ، وعماد شُعب الإيمان ، وبه يتم الدين ، وهو دليل الإيمان ، ورائد الإنسان إلى الخير والهدى ، وإن الحياء خُلُق يبعث على ترك القبيح ، ويمنع من التقصير في حقٍّ من الحقوق ، وهو خُلُق جميل يدعو إلى التحلِّي بالفضائل ، والبُعد عن الرذائل .
والحياءُ من الحياة ، ومنه الحيا للخِصْبِ والمطر ، وقِلَّةُ الحياءِ من موت القلب والروح ، وكلما كان القلبُ أحيا ، كان الحياء أتمَّ .
وقد ذكره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثَ كثيرةٍ ، تدلُّ على مكانته بين المكارم والشيم ؛ منها :
قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ» رواه البخاري ومسلم .
وقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» ، أَوْ قَالَ : «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» رواه مسلم .
وحياء المؤمن يدل على كمال إيمانه ، وحُسْن أدبه ، ونقاء سريرته ، ؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «والْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» رواه البخاريُّ ومسلم .
وقد مَرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ - وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء ، فَقَالَ له : «دَعْهُ ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ» رواه البخاريُّ ومسلم .
قال ابن القيم – رحمه الله – : "ثمَّ تَأمل هَذَا الْخُلق الَّذِي خصَّ بِهِ الإنسان دون جَمِيع الْحَيَوَان ، وَهُوَ خُلق الْحيَاء ، الَّذِي هُوَ من أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا ، وأكثرها نفعًا ؛ بل هُوَ خَاصَّة الإنسانية ، فَمن لَا حَيَاءَ فِيهِ ، لَيْسَ مَعَه من الإنسانية إلا اللَّحْم وَالدَّم ، وصورتهم الظَّاهِرَة ، كَمَا أنه لَيْسَ مَعَه من الْخَيْر شَيْء ، وَلَوْلَا هذا الخُلق ، لم يُقْرَ الضَّيْف ، وَلم يُوفَ بالوعد ، وَلم يؤدَّ أمانة ، وَلم يقْض لأحَدٍ حَاجَة ، وَلَا تحرَّى الرجل الْجَمِيل ، فآثره ، والقبيح ، فتجنَّبه ، وَلَا ستر لَهُ عَورَة ، وَلَا امْتنع من فَاحِشَة ، وَكثير من النَّاس لَوْلَا الْحيَاءُ الَّذِي فِيهِ ، لم يؤدِّ شَيْئًا من الأمور المفترضة عَلَيْهِ ، وَلم يَرْعَ لمخلوق حَقًّا ، وَلم يصل لَهُ رحمًا ، وَلَا برَّ لَهُ والدًا ؛ فَإِن الْبَاعِث على هَذِه الأفعال ، إِمَّا دينيٌّ ، وَهُوَ رَجَاء عَاقبَتهَا الحميدة ، وَإِمَّا دُنْيَوِيٌّ عُلويٌّ ، وَهُوَ حَيَاء فاعلها من الْخَلق ، قد تبيَّن أنه لَوْلَا الْحيَاءُ إِمَّا من الْخَالِق اَوْ من الْخَلَائق لم يَفْعَلهَا صَاحبها "[1] .
ولكن هل الحياء غريزيٌّ أو مكتسب ؟
قال ابن رجب الحنبليُّ – رحمه الله - : "والحياءُ نوعان ؛ أحدهما : غَريزيٌّ ، وهو خُلُقٌ يمنحُه الله العبدَ ويجبُلُه عليه ، فيكُفُّه عن ارتكاب القبائح والرذائل ، ويحثُّه على فعل الجميل ، وهو من أعلى مواهب الله للعبد ، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثِّر ما يؤثِّره الإيمان من فعل الجميل ، والكَفِّ عن القبيح ، وربما ارتقى صاحبُه بعده إلى درجة الإيمان . . . والنوع الثاني : أن يكون مُكتَسَبًا ، إما من مقام الإيمان ؛ كحياء العبد من مقامه بين يدَيِ الله يوم القيامة ، فيوجِب له ذلك الاستعدادَ للقائه ، أو من مقام الإحسان ؛ كحياء العبد من اطِّلاع الله عليه وقُربه منه ؛ فهذا من أعلى خصال الإيمان "([2]) .
ويكفي الحياء شرفًا أنه من صفات الله تعالى ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا ، أَوْ خَائِبَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَه وصححه الألبانيُّ .
قال ابن القيم - رحمه الله - : "وأمَّا حياءُ الربِّ تعالى من عبده ، فنوعٌ آخَر ، لا تُدركه الأفهام ، ولا تُكيِّفه العقول ؛ فإنه حياءُ كرمٍ وبِرٍّ وجودٍ ، فإنه تبارك وتعالى حيِيٌّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يَرُدَّهما صِفرًا ، ويستحيي أن يُعذِّب ذا شَيبةٍ شابت في الإسلام ، وكان يحيى بن معاد يقول : سبحان من يُذنب عبده ويستحيي هو . وفي أثر : من استحيا من الله استحيا الله منه"[3].
والحياء من خُلق النبيِّ - صلى الله عليه وسلم – وصفاته ؛ فقد وصفه أبو سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - بقوله : «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ» رواه البخاريُّ ومسلم .
والحياء من خُلُقِ الملائكة والأنبياء : قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عثمان - رضي الله عنه - : «أَلاَ أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ؟!» رواه مسلم .
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا ، لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ ؛ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ» رواه البخاريُّ .
وأول الحياء وأوْلاه : الحياءُ من الله تعالى ، وهو ألَّا يراك حيث نهاك ، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة ، ومُراقبة له حاصلة ، وهي المعبَّر عنها بقوله : «أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه ؛ فإن لم تكُنْ تراه فإنه يراكَ»([4]) .
وهو ما أراده النبيُّ r بجعله من شُعَب الإيمان ؛ كما روى الترمذيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ» . قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالحَمْدُ لِلَّهِ ، قَالَ : «لَيْسَ ذَاكَ ؛ وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ» رواه الترمذيُّ، وحسَّنه النوويُّ والألبانيُّ.
ومن أعظم فضائل الحياء أنه يُفضي إلى جنةٍ عَرْضُها السماوات والأرض ؛ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» رواه أحمد والترمذيُّ وصححه الألبانيُّ .
والحياء زينة الأخلاق : لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ، وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ» رواه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه، وصححه الألبانيُّ .
والحياء يعصم المرء من المعاصي والمنكرات ، ويحمله على الاستقامة والطاعة ، وبدون الحياء يغرق الناس في أوحال المعاصي والمنكرات ؛ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى : إِذَا لَمْ تَسْتَحِ ؛ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» رواه البخاريُّ .
قال الشاعر :
وَرُبَّ قبيحةٍ ما حال بينِي = وبين ركوبها إلاَّ الحياءُ
فكان هو الدواءَ لها ولكن = إذا ذهب الحياءُ فلا دواءُ
المستودع الدعوي الرقمي نسعى لتكوين أكبر مستودع معرفي ومعلوماتي للدعوة والدعاة حول العالم، من خلال توفير الملفات والتقارير والبيانات الخادمة للعاملين في الدعوة إلى الله.
اسأل بأي لغة. الإجابات مبنية على محتوى الموقع المفهرس مع توثيق المصادر.
