حكم الدعوة إلى الله وعلاقتها بالمقاصدمقالات

نور الدين طوابة

جاء في القرآن الكريم جملة من الآيات تتحدث عن الدعوة، وضرورة القيام بها، والأجر الجزيل للقائمين بها، منها قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ومن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المجال قوله: (الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

مما ورد في الأدلة السابقة تبين لنا وجوب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لكن العلماء اختلفوا في نوعية هذا الوجوب هل هو على التعيين، أم على الكفاية؟

استدل بعض العلماء الذين قالوا بالوجوب العيني بأدلة منها قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وشاهدهم في الآية أن "من" في الآية للتبيين وليست للتبعيض وذلك بقرينة الأدلة الأخرى التالية، فتفيد هذه الآية عندهم توجيه الخطاب إلى جميع المكلفين، فتكون الدعوة واجبة على كل مسلم بقدر استطاعته.

واستدل هذا الفريق كذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه).

أما القائلون بالوجوب الكفائي في تبليغ الدعوة فاستدلوا بالآية نفسها، ومما جاء عن الرازي بعد تفسيره للآية {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ...} قوله: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين.

وقال ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية أيضًا: "والمقصود من هذه الآية الكريمة أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه".

ومما ورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: "فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه - أي الرسول صلى الله عليه وسلم - وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله... فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين".

ولما كانت الدعوة إلى الله تكليفاً شرعيًّا وأمراً ربانيًّا، فهي واجبة بهذه الكيفية وهذا الرأي هو الأقرب للمنطق والصواب، وهو ما ذهب إليه وأكده جمع من الباحثين في ميدان الدعوة، إلا أن هذا لا يعفي أي أحد من مسؤولية القيام بالدعوة وتبليغها بل يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره.

فما قام به غيره سقط عنه وما عجز لم يطالب به، وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على هذا.

كما أنه يندب جميع المسلمين إلى القيام بالدعوة عملًا بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، أضف إلى ذلك أن النصيحة ضرورية ومطلوبة من جميع المسلمين، كما أن نجاة المسلم في الحياة مشروطة بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر كما نبه على ذلك القرآن الكريم.

أما عن صلة المقاصد بالدعوة فهي كصلة الروح بالجسد، إذ لا بد لكل حركة في الدعوة من مقصد شرعي تروم الوصول إليه في خطة آنية أو مستقبلية.

وإذا كانت مقاصده سبحانه من الخلق تنحصر في أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وهذا المقصد عام في جميع الرسالات السماوية لقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.

إذًا فالله خلق عباده ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، الغاية الحميدة التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم، هي معرفة الله ومحبته وعبادته وحده لا شريك له، وهي حقيقة قول العبد لا إله إلا الله وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب، ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكتمل إلا بذلك.

وإذا قصد الخالق من الخلق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا فإن القصد لا يستلزم عودة ثمرة المقصود إلى القاصد، ولذلك عندما نقول قصد الشارع فيجب ألا يتطرق إلى الأذهان أن ثمرة معرفة الله وعبادته دون غيره ستعود إليه سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا، بل إن جميع ثمرات التكليف العاجلة والآجلة تعود إلى المكلف لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.

وكل هذا لا يأتي إلا عن طريق الدعوة وحسن عرضها وتبليغها للمدعوين.

وما كان نشر دعوة الله ودينه من خلال بعثة الرسل إلا لتحقيق مقاصد الله في خلقه وأمره، مما يدل بكل تأكيد ووضوح على أن للشارع مقاصد من خلال تعبيد خلقه له عز وجل.


المصدر: مجلة آفاق الثقافة والتراث - بحث: دور المقاصد في الدعوة - نور الدين طوابة - ع 60 - 1 يناير 2008.

0 شخص قام بالإعجاب


شاهد أيضاً