كان عبدالرحمن الغافقي رحمه الله بطلاً بعيد الهمة ، حازم الإدارة ، وكان جديرًا بتخليد اسمه ، وترداد ذكره ، لولا أن حافظة التاريخ لا تعي غير أسماء محظوظة ، كتب لأصحابها النصر في النهاية ، ولقد أبدى هذا البطل العظيم من ضروب الفدائية وروائع التضحية ما يدهش ويعجب ، إلا أنه كان في المعركة الأخيرة مع بسالته الخارقة قائدًا بغير جنود.
وقد نشأ نشأة مباركة ، فصحب كرام الصحابة ، وتلقى الفقه والحديث عن عبد الله بن عمر وغيره ، وفاضت نفسه حماسة للإسلام وشغفًا بانتصاره ، فنزح فيمن نزح إلى الأندلس من البواسل الكماة مجاهدًا في سبيل دينه ، ثم تألق نجمه فيما اشترك فيه من الغزوات والحروب ، فعرف بالشجاعة والمروءة ، واكتسب إجلال معارفه وأصحابه، وتقدم الصفوف قائدًا ممتازًا ، يرسم الخطط ويدير المعارك.
وكانت الأندلس في عهدها الأول مرتعًا للفتن والثورات ، ومسرحًا للخلاف القبلي والعنصري ، وقد وليها بعد موسى بن نصير أناس لم يثبتوا للحوادث، حتى رأسها السمح بن مالك الخولاني فأعاد إليها النظام والاستقرار ، وأبرز مهارته الإدارية ، وكان بطلاً مقدامًا ، فرأى أن يستأنف الغزو ، ويرفع راية الجهاد ، وتقدم بجيشه الباسل ، فلقي كثيرًا من النجاح والتوفيق ، واستعاد أربونة وقرقشونة ومعظم قواعد سبتمانيا وحصونها ، وأقام بها حكومة إسلامية ، ثم اتجه إلى أكوتين ، فوجد مقاومة عنيفة ؛ ولكنه اكتسح العدو اكتساحًا رائعًا ، وتقدم إلى تولوشة فوقف أمام جيش كثيف يفوقه عددًا وعدة ، فلم يعبأ به واخترق صفوفه وقذف بجنوده في حومة حمراء تعج بالدماء ، وشاء القدر أن يسقط شهيدًا في مأزقه الكريه ، فانسحب المسلمون ثانية بعد أن فقدوا قائدهم البطل وخسروا عددًا كبيرًا من الجنود.
وكان عبد الرحمن الغافقي أحد جنوده في المعركة ، فأجمع الجيش على اختياره للقيادة ، ورأى من الحنكة أن يرتد إلى الجنوب ؛ ولكن حزنه الأليم على مصرع قائده واستشهاد زملائه جعله يفكر جديًّا في الانتقام لمصارع الأبطال واستئناف الغزو والهجوم.
ولم يرض الوالي الإفريقي عن اختيار الغافقي للقيادة ، وكانت الأندلس تابعة له في تعيين الولاة ، فبعث بغيره مكانه ، إلا أن القلق والاضطراب في مدى خمسة أعوام متتابعة قد أجبره على تعيين عبد الرحمن مرة ثانية ، فعاد الأسد إلى عرينه يتقدم الصفوف ويجهز الكتائب للنضال.
بدأ عبد الرحمن بإصلاح داخلي يقوم على العدالة والمساواة ، فعدل نظام الضرائب وعزل من العمال من حامت حوله الريب والظنون ، وأظهر تسامح الإسلام في معاملة النصارى واليهود ، فلهجت الألسنة بالثناء عليه وفرح الأندلسيون بولايته فرحًا زائدًا ، ولم يكن ليحابي أحدًا في سبيل الحق والعدالة ؛ بل إن أخلاق الإسلام قد سرت في عروقه واختلطت بدمائه فألهمته سبيل الرشاد ، وقد غزا غزوة عاجلة فغنم أسلابًا وفيرة ، وكان فيما أصابه عمود صغير من الذهب المرصع بالدر والياقوت فأمر به فكسر ثم أخرج الخمس كما أمر الله وقسم الباقي على من معه من الجنود ، فغضب والي إفريقية غضبًا شديدًا ؛ إذ كان يود أن يتقدم به إليه مجاملة ، فكتب يتوعده في لهجة قاسية ، فرد عبد الرحمن يقول : "إن السموات والأرض لو كانتا رتقًا لجعل الله للمتقين مخرجًا منها" ، وذلك يدل دلالة ساطعة على إيمان القائد وورعه ، وتخلقه بالخلال الإسلامية واضحة شفافة ، فهو لا يعبأ بكبير في الحق ، ولا يدخر لنفسه شيئًا دون جنوده ، وبهذه الشمائل العالية نال ثواب الله ، واحتل شغاف القلوب.
وكان هذا البطل الباسل يعزم عزمًا أكيدًا على تحقيق أمنية موسى بن نصير في الفتح الإسلامي ، فهو يريد أن يوغل في أرض الإفرنج حاملاً مدنية الإسلام وحضارته إلى شعوب غارقة في الظلام والضلال ، ثم يعطف إلى الشرق فينفذ من القسطنطينية إلى دمشق ، وبذلك يعم الإسلام القارة الأوروبية ، وينتشل شعوبها من الظلمات إلى النور ، هذا إلى أن مصرع السمح بن مالك ورفقائه كان يذكي في صدره نار الحمية ، فهو يود - وقد شاهد المأساة - أن يؤدب هؤلاء الذين ظنوا الظنون الوخيمة بقوة الإسلام فأشاعوا الشائعات المسمومة حول شجاعة أبطاله ومقدرة قواده ، ومن ثم أخذ يدرب الجيوش ويحشد الذخائر ويضع كل جندي في موضعه اللائق بكفاءته ، ولم تثنه أعباؤه الإدارية عن إعداد الجيش ، وإذكاء الحمية في نفوس تتطلع إلى النصر أو الاستشهاد ، كما انتخب فرقًا مختلفة من البربر وعهد بقيادتها إلى أبطال من العرب ، فأحسنوا تدريبها الحربي وأضافوا إلى الجيش الإسلامي قوة عظيمة ، وقد خلع الغافقي بعمله هذا على البربر مكرمة خالدة ، فشعروا أنهم لا يقلون عن العرب كفاءة وموهبة ، وإن كانت روح الإسلام لم تهيمن على مشاعرهم هيمنة تامة عاجلة ، فقضوا بعدُ أمدًا كبيرًا في التوجه والاستعداد.
وقد رأى عبد الرحمن أن يطهر الجبهة الداخلية قبل أن يشتبك مع أعداء الإسلام في موقف حاسم ، فبعث بكتيبة من جنوده إلى عثمان بن أبي نسعة ، وكان من قبل واليًا بربريًّا على الأندلس فعزل عنها وعين حاكمًا لولايات البرينيه ، فاضطرم حسدًا وحقدًا على الغافقي ، وتعاهد مع أعداء الإسلام على مقاتلته ؛ بل إنه تزوج ابنة دوق (أوكتين) ليضمن مساعدته في قتال عبد الرحمن ، وكان هذا الدوق بين نارين ، فهو يخشى من الجنوب الجيوش الإسلامية التي أصبحت على مقربة منه تهدد مقاطعته وتدمر حصونه ، كما يخشى جيوش الإفرنج من الشمال ، وقد بعث شارل مارتل بطلائعها الزاحفة لمناوشته ، وإسقاط معاقله ، فاضطر اضطرارًا مجازفًا إلى معاهدة ابن أبي نسعة ، ومصاهرته أيضًا ، وطار الخبر إلى عبد الرحمن فأرسل إلى الوالي الخائن جيشًا بقيادة أحد المهرة من جنوده ، فحاصره وقتله جزاء مروقه وخيانته.
عبأ الغافقي جنوده واستأنف الغزو طبقًا لمشروعه الضخم الذي رصد حياته لتنفيذه ، فاكتسح المدن الواقعة على نهر الرون ثم هجم على ولاية أكوتين وحالفه النصر فمزق جيوشها وطارد فلولها وسقطت في يده ، وتابع زحفه منتصرًا في جميع خطواته حتى افتتح نصف فرنسا الجنوبي من الشرق إلى الغرب في بضعة أشهر ، وأصبحت العاصمة الفرنسية مهددة بالسقوط ، وقد التهب جنوده حماسة وحمية ، وزادهم إقدامًا ما يتوجون به في كل معركة من النصر الباهر والفتح العظيم.
انزعجت أوروبا انزعاجًا صارخًا لتقدم الجيوش الإسلامية وفزع زعماء المسيحية فأرسلوا صيحاتهم الصليبية في آفاق أوروبا ، وبذلوا أقصى ما يقدرون عليه في إشعال الكراهية للإسلام ، وتأريث العداوة لرجاله ، وكان ملك الفرنجة ضعيفًا عاجزًا يتولى حاجب قصره شارل مارتل قيادة أموره ، فتجمع حوله الصليبيون وقدموه قائدًا للكفاح النصراني ، وكان ذا أطماع واسعة يهدف إليها من وراء قيادته ، فحشد جيشًا ضخمًا يؤلف العصابات الجرمانية والعشائر المتوحشة ويجمع طوفانًا مرعبًا من الآدميين المتوحشين ، وقد خرجوا حفاة عراة يتشحون بجلود الذئاب والنمور ، ويرسلون ضفائرهم الممتدة فوق ظهورهم ، فيرسمون للوحشية البدائية صورًا مزعجة حمراء ، وضاقت بجموعهم الكثيفة سهول فرنسا ، فتدافعوا على ضفاف اللوار متراصين متزاحمين.
المصدر: مجلة الأزهر ، 16 محرم 1374هـ ، 14 سبتمبر 1954م ، الجزء الثاني ، مجلد 26 ، (ص100-103)
المستودع الدعوي الرقمي نسعى لتكوين أكبر مستودع معرفي ومعلوماتي للدعوة والدعاة حول العالم، من خلال توفير الملفات والتقارير والبيانات الخادمة للعاملين في الدعوة إلى الله.
اسأل بأي لغة. الإجابات مبنية على محتوى الموقع المفهرس مع توثيق المصادر.
