الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
يحتاج كل داعية أن يكون إجابة هذا السؤال مستقرَّةً في ذهنه ، ويستحضرها في التعامل مع عموم الناس تعاملًا وسطًا ، بعيدًا عن المثالية ، والإفراط والتفريط ؛ فلا يوجد إنسان معصوم من الخطأ ؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) رواه ابن ماجه .
فعلى الداعية أن يكون تعامله مع الناس بواقعية ، ومن الخطأ النظرة إلى الناس أو التعامل معهم بمثالية ، وإن على الداعية أن يُدرك أحوال المدعوِّين ، والفروق بينهم ، واختلاف طبائعهم ، وأنه يتعامل مع نفوس بشرية ، ونفوس الخلائق عجيبة ، ومداخلها كثيرة ومعقَّدة ، ولكلٍّ منها مَدْخَلٌ ومِفتاح لو مَلَكه الداعية ، لاستطاع جذب المدعوِّ إلى طريق الخير والطاعة ، وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اختلاف طبائع الناس بقوله : (( النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ ، خِيارُهُمْ في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا )) متفق عليه .
ويجب على الداعية أن يسبر أغوار نفوس المدعوين ، فيعلم داء كل منهم ؛ حتى يجد له الدواء الذي يصلحه ؛ فمَثَلُ الداعية مَثَلُ الطبيب ، يعلم الداء والدواء ، فيقدّم للمدعوين ما يناسبهم من علاج ، وما يُصلح أحوالهم .
فأما المسلمون فقد ذكر الله تعالى أنهم ثلاثة أقسام في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } [ فاطر: 32 ] .
وإن أخوَّتهم الإيمانية باقية مهما كانوا على معصية ، فالمحبة والنصرة لا تنتفي إلا بانتفاء الإيمان بالكلية ، ولا تنتفي بالبدعة والمعصية .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – "مجموع الفتاوى (28/ 208 ، 209) " : " والمؤمن عليه أن يعاديَ في الله ويواليَ في الله ، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليَه وإن ظلمه ؛ فإن الظُّلم لا يقطع الموالاة الإيمانية ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا . . .} [الحجرات :9] فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي ، وأمر بالإصلاح بينهم ، فليتدبَّر المؤمن أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك ، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك ؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل ، وأنزل الكتب ؛ ليكون الدين كله لله ، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه ، والإكرام والثواب لأوليائه ، والإهانة والعقاب لأعدائه .
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشرٌّ ، وفجور وطاعة ، ومعصية وسنة وبدعة ، استحقَّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة ؛ كاللص تُقطع يده لسرقته ، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته ، هذا هو الأصل الذي اتَّفق عليه أهل السنة والجماعة ، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم " .
وأما الكافر فقد فطر الله الخلق على قبول الحق ؛ فكل إنسان يولد على الفطرة كما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ )) متفق عليه .
فالإنسان مهيَّأ بطبعه لاستقبال رسالة الإسلام والحق ، والاستجابة لها ؛ ولكن تختلف درجات الاستجابة بحسب درجة انتكاسة فطرته أو استمراره عليها ، بين من يستجيب مباشرة للحقِّ ، ومن يحتاج إلى تفكير وتأمُّل فيتأخر في استجابته ، ومن يُعرض عن الحق ، ومن يعاند ويكابر .
وحتى هذا المعاند والمكابر مهيَّأ للاقتناع والاستجابة ، وترى ذلك عندما يتعرَّض لبلاء يعلم أنه لا ينجِّيه منه إلا الله تعالى ؛ قال تعالى : {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت : 65] .
ومن ثم فعلى الداعية النظر إلى الناس نظرة تفاؤل ، لا نظرة يأس وتشاؤم ؛ لأن التشاؤم واليأس يُقعد عن العمل والنصح ، فيزيد بذلك الشر ، والتفاؤل يبعث على العمل ، فيزيد بذلك الخير ؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : (( كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ )) رواه أحمد وابن ماجه .
- لا جرم أن النقص في جوانبَ من الخير في الناس ، لا يعني انعدام الخير في جوانبَ أخرى ؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ اسْمُهُ عَبْدَاللَّهِ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا ، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : (( لَا تَلْعَنُوهُ ؛ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) رواه البخاريُّ .
فلم ينفِ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل الخير ، وأنه يحب الله ورسوله ، رغم كبيرة شرب الخمر أمِّ الخبائث ، حتى إنه جُلد على شربها .
- وعلى الداعية النظر إلى الخير في الناس ، وإلى الخير الراجح في كثير من الجوانب ، والتعامل مع أخطاء الناس بإيجابية ؛ قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْه ِ) رواه البخاريُّ .
فقد جعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأعرابيَّ يُكمل بوله ؛ فهذا أقلُّ مفسدةً وأصلح له ؛ فقطع بولته قد يضرُّه وينجِّس ثيابه وبدنه ، وينجِّس من المسجد مواضع أكثر .
- وينبغي للداعية أن ينظر إلى الناس بعين الشرع وعين القدر ؛ يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله – " مجموع الفتاوى والرسائل (90 ،89/26) " : "ينبغي لنا أيها الإخوة أن ننظر إلى أهل المعاصي بعينين : عين الشرع ، وعين القدر ، عين الشرع ؛ أي : لا تأخذنا في الله لومة لائم ؛ كما قال تعالى عن الزانية والزاني : { فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } [النور : 2] ، وننظر إليهم بعين القدر ، فنرحمهم ونرقُّ لهم ، ونعاملهم بما نراه أقرب إلى حصول المقصود ، وزوال المكروه ، وهذا من آثار طالب العلم ، بخلاف الجاهل الذي عنده غَيرة ؛ لكن ليس عنده علم ، فطالب العلم الداعية إلى الله يجب أن يستعمل الحكمة ؛ مجموع الفتاوى والرسائل (90 ،89/26) .
فعلى الداعية أن يتعامل مع الناس بواقعية وإيجابية ، لا بمثالية تجعله ينحو نحو اعتزال الناس وتركهم ، أو عدم الرفق بهم ، والحدَّة عليهم ومواجهتهم بغير الحكمة والموعظة الحسنة .
المستودع الدعوي الرقمي نسعى لتكوين أكبر مستودع معرفي ومعلوماتي للدعوة والدعاة حول العالم، من خلال توفير الملفات والتقارير والبيانات الخادمة للعاملين في الدعوة إلى الله.
اسأل بأي لغة. الإجابات مبنية على محتوى الموقع المفهرس مع توثيق المصادر.
