حضارة العرب في فرنسا.. مآثر العصور الإسلاميةمقالات

هنري دا شامبون

قال مسيو هنري دا شامبون مدير مجلة (ريفو بارلمنتير) الفرنسية الشهيرة:

كنتُ في أحد أيام الصيف الماضي أتجول في مقاطعة (لافور) من بلادنا الفرنسوية، فبلغت بلدة (جيروسان) التي اشتهرت منذ عصور بصناعة الفخار والخزف، وما كان أشد سروري عندما قرأت في تاريخ هذه المدينة أنها إنما نشأت نشأة عربية، فأصبح مما لا جدال فيه أن العرب الفاتحين هم الذين علَّموا فن الخزف لأجداد صانعي الفخار في هذه المدينة.

إن تأثير الشرق بادٍ للأنظار في أكثر مناطق هذه البلاد، ولا سيما في منطقة الفنون والزخارف، وقد أتيح للسيطرة العربية أن تحمل إلى (لاتجيدوك) نصيبًا من الحضارة أسمى مما ورثه عن (الفيزيغوت) و(الفاسكون)، وكان ذلك مما تمكن به سكان جيروسان من أن يبلغوا هذه المنزلة السامية في صناعتي الخزف والزجاج وفي نسيج الكتان والحرير.

ولم يقتصر ما تعلَّمه هؤلاء الفرنسيون من العرب على ما تقدَّم؛ بل إنهم تعلَّموا منهم خواصَّ العقاقير الطبية أيضًا، واستمروا في الاتِّجار بها تحت تأثير هذه المعارف العربية إلى الزمن الذي انتشر فيه دخان السكك الحديدية في جو البلاد.

إذا جال الرجل البصير في أي صقع من أصقاع الجنوب الغربي من فرنسا يستحيل عليه أن لا يرى أثرًا للعرب مجيدًا بين كل خطوة وأخرى، وأما إسبانيا ففي كل موضع قدم منها دلائل للفن العربي لا تمحوها الأدهار.

ومن ذا الذي يزعم أن الفرنسويين في فرنسا ليضاهي ما للعرب في إسبانيا من مآثر الحضارة كالقصر في إشبيليا، والحمراء في غرناطة، ونقوشًا هي بلا شك أخت ما تراه في المساجد الإسلامية في مدينة قرطبة وسائر عواصم الإسلام.

لولا انتصار جيش (شارل مارتل) الهمجي على تقدُّم العرب في فرنسا لما وقعت فرنسا في ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيبت بفظائعها، ولا كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني والمذهبي، ولولا ذلك الانتصار البربري على العرب، لنجت فرنسا من وصمة محاكم التفتيش، ولولا ذلك لما تأخَّر سير المدنية الإنسانية ثمانية قرون.

نحن مدينون للشعوب العربية بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة، مع أننا نزعم اليوم أن لنا حقَّ السيطرة على تلك الشعوب العريقة في الفضائل، وحسبها أنها كانت مثال الكمال البشري مدة ثمانية قرون بينما كنا يومئذ مثال الهمجية، وإنه لكذب وافتراء ما ندَّعيه من أن الزمان قد اختلف، وأنهم صاروا يمثِّلون اليوم ما كنا نمثله نحن فيما مضى.

لقد كان مسيو جوريس من بلدة جوريسان؛ أعني من بلدة الخزف العربي في فرنسا، فهو مثل سكانها ومثلي أنا أيضًا في التشبُّع بميراث الحضارة العربية، وأقسم أنه كانت تجري في عروقه – كما تجري في عروقي أنا وفي عروق جميع أهل (لاتجيدوك) و(الفاسكون) – بعض قطرات من دم العرب ممزوجًا بدماء الفيزيغوت واللاتين، وهنالك أمور لم يكن مسيو جوريس يستطيع إدراكها لو لم يكن من ذلك البلد.

نحن أهالي جنوب فرنسا مفطورون على تقديس الحرية، فإذا ضيمت الحرية هببنا بغريزتنا للدفاع عنها، وإذا طلبناها اليوم للشعوب العربية فإنما ننقاد للدم الذي يجري في عروقنا، ونؤدِّي بذلك للعرب حق الاعتراف لهم بالجميل.


المصدر: (مجلة الفتح، العدد: 1، 10 يونيو 1926م)

0 شخص قام بالإعجاب