كيف سيغيرنا وباء كورونا؟مقالات

لطيفة الخريف

هل ستوحد أزمة الكورونا الصفوف وتلم شملنا في مجموعة اجتماعية[1] من جديد؟ أم إن الخوف من الأوبئة المستقبلية سيغير نمط حياتنا تماما؟ إننا على يقين من أننا سنتجاوز هذه الأزمة في النهاية، ولكن يبقى السؤال: كيف ستكون التأثيرات بعيدة المدى، وكيف سينعكس ذلك على حياتنا؟

كيف سيغيرنا ما مررنا به -حتى الآن- من تجربة مريرة مع الفيروس؟ ما المتغيرات التي ستُدْخلها الأزمة إلى حياتنا في غضون خمسة أو عشرة أعوام من الآن؟

في كل مرة نواجه فيها أزمةٍ كهذه، يبدأ العاملون في الحقل السيكولوجي بسؤال أنفسهم ومن حولهم أسئلة على نفس الشاكلة؛ فنحن نعلم بالبداهة أن هذا النوع من الأحداث سيغيرنا على المدى البعيد، وفي نفس الوقت نعلم أيضا أننا يمكن أن نتعلم كثيرًا من تلك التجربة.

يتساءل كثير من الناس إذا كنا سنخرج من هذه الأزمة ونحن عُصبة، ونحنُ مجتمعات موحدة أكثر من ذي قبل، أم إن العكس هو ما سيحدث، باعتبار أن انتشار الوباء سيغرس فينا الحاجة إلى التباعد الاجتماعي تحسبا لوقوع أشكال جديدة من الأوبئة.

يبدو السيناريو الثاني محبطا للغاية؛ وعلاوة على ذلك، سيكون من المستحيل للبشر العيش هكذا، فكما نعلم “الإنسان اجتماعي بطبعه”، فهو في حاجة دائمة إلى التواصل مع الآخرين لما فيه من خير ومنفعة له ولهم على السواء.

ثم إن هذه الظروف جديدة على خبراتنا البشرية، ولم نختبر مثلها تماما من قبل، فلا يمكننا إذن أن نشير إلى بحوث سابقة ترصد تبعات هذا الوباء وتغيراته في عامة الشعوب.

عقد كثيرون مقارنات بين الوباء الحالي والإنفلونزا الإسبانية، ومع ذلك، فإن السياق الحالي يختلف جذريا عن السالف. فالنظام الصحي الآن أقوى بكثير، والفيروس مختلف، ولا شك أن دورته ستكون أقصر بكثير من الإنفلونزا الإسبانية.

ولكن مع اختلاف الجاهزية الصحية، ومع تفوقنا في هذه الناحية، فإننا نعي بلا أدنى شك أن هذا الأمر سيصاحبه تغيير ما، لنحلل الآن حيثيات حدوث هذا التغيير.

 

“إن بحثنا الدائم عن المعنى هو المفتاح الأساسي للصحة النفسية والازدهار الإنساني”

-فيكتور فرانكل-

 

كيف سيغيرنا فايروس كورونا؟

في اللغة الصينية، الكلمة التي تعادل “الأزمة” هي كلمة weiji

هذه الكلمة بمفردها تعني في الأصل اللغوي “ألم” أو “خطر”، ومن المثير الإشارة إلى أنها تتكون من شقين: الأول “وي” 危 wēi والذي يترجم إلى “مجازفة” والثاني “جي”  机 jī وهو مصطلح يوحي بأفكار عديدة مثل: الاختراع أو الربيع، أو التغيير. ربما تحمل لنا “الأزمة” الصينية في طياتها معنى ما.

يمكن القول إن الأزمة علمتنا أن الصين تتمتع بكفاءة عالية تمكنها من مواجهة التحديات الكبيرة، فعلى ما يبدو لم يعد في الصين أية حالات جديدة[2] خلا هؤلاء العائدين من الخارج، وأصبحت جهودهم الآن مركزة على مساعدة المجتمع الدولي. وفي الأيام الأخيرة، تلقت كل من إسبانيا وإيطاليا عددًا مهولًا من المساعدات والمنتجات الطبية. لذا، هل يكمن التغيير هُنا؟ هل يثمر كل ذلك عن نتيجة إيجابية تتمثل في الإيثار والدعم العالمي المتبادل؟

 

هل نرى مجتمعًا أكثر تماسكًا في المستقبل؟

كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر إحدى الأزمات الحديثة والمؤثرة التي حدثت في العالم، بغض النظر عن كون التفجير وقع في أرضٍ أمريكية، إلا أن التأثير كان عالميا.

فقد نتج عن هذا الحادث تعاظم الشعور الوطني في بعض الدول، وتطرفٌ أشد وطئا في دولٍ أخرى. فقد تصاعدت العداوات وتضاربت المصالح. ولكن الأمر هنا مختلف، لأن عدونا –الميكروسكوبي- عدوٌ مشترك. ففي السياق الحالي، كل الفروقات الإثنية، والدينية والعرقية، والاجتماعية والجنسية لا توضع في الحسبان. إننا جميعا على الحافة بالتساوي. والآن لدينا فرصة ثمينة يمكن اقتناصها من قلب الأزمة، وهي تتمثل في حل تلك الخلافات، لنضمن العيش في مجتمعات أكثر اتحادًا وأكثر التزامًا أمام حقوق الآخر.

 

سنتعلم أن نعطي كل ذي حقِ حقه

لنعد بالذاكرة إلى أزمة 2008، الأزمة المالية العالمية التي دفعت الحكومات من مختلف أنحاء العالم عمليا إلى إنقاذ البنوك من الإفلاس. فماذا كانت عواقب هذا الأمر؟ الأغنياء ازدادوا غنًى والفقراء ازدادوا فقرًا.

لقد تجوهلت حقوق الناس الاجتماعية تمامًا، ومن أكثر الأقسام التي لحق بها الضرر الشديد كان بلا شك القسم الصحي: فقد تقلصت أعداد الأسرَّة، وانتهى الأمر بنا بمعدات طبية أقل، وفرق طبية أقل، وخصخصة لكثير من الخدمات.

ما لمسناه وعايشناه حتى الآن مع فيروس كورونا يدفعنا إلى إعادة النظر في كل هذا، فقد تعلمنا درسًا مهمًا وهو: لا يمكن أن نصف دولة بأنها “متحضرة” أو متطورة إن كان نظامها الصحي هزيلًا.

هذا المنظور الما بعد الحداثي النيوليبرالي -الذي يحرر الفعل الاقتصادي من أية عوائق وينتهي الوضع بأن يكون هو الناجي الأقوى أو الوحيد- يمكن تغييره، ربما نعطي الأولوية لمن يستحقها فعلا: البشر أولا، ثم الرعاية الصحية والعاملون الساعون بجد إلى كسب قوت يومهم.

 

تمرين عملي على التواضع: نحن لسنا بتلك القوة التي خِلناها للأسف

يمكننا أن نخرج من هذه التجربة بإرث حقيقي نتركه للجنس البشري، قد يعاني مجتمعنا طويلا من “اضطراب ما بعد الصدمة”، فمن المحتمل أن الخوف من العدوى سيترسب في أذهاننا، ونتيجة لهذا قد يتطور الأمر لاضطراب الوسواس القهري، والأهم من ذلك أننا سنقضي شهورا وربما أعواما نتحسس هذا الفراغ الذي تركه أحباؤنا الذين خسرناهم في هذه الجائحة.

الأيام القادمة ستكون عصيبة، ولقد أدركنا أخيرا أننا لسنا بتلك القوة التي خِلناها. فنحن لسنا محصنين ضد الأحداث المفاجئة التي قد ترسلنا إلى الهاوية في لحظة.

ربما يمكنك استغلال أيام الحجر في التفكير: كيف سيغيرنا الوباء؟ كيف سيغيرك الوباء؟

اعلم أن الحياة لحظة، فاغتنمها كما يكن. عش ببساطة وبوتيرة هادئة ولكن بطريقة حقيقية، وهي أن تحب من حولك. اعتن بهذا الكوكب واترك إرثا عظيما للأجيال من بعدك. وفي النهاية، عليك أن تعطي النظام الصحي حقه من التقدير والاهتمام.

هذه الأزمة ستمر، ولكن الأهم من هذا أن تكون جاهزا بما يكفي في المستقبل، كي لا يتكرر الأمر بحذافيره مرة أخرى وبنفس الطريقة.

1 شخص قام بالإعجاب