دور الوقف في دعم البحث العلميمقالات

عبدالله بن محمد العمراني

كتب فضيلة الدكتور عبدالله بن محمد العمراني، دراسة مطولة عن الوقف ودوره في النهوض بعملية البحث العلمي في الجامعات وغيرها، ونقدم لقرائنا الأكارم مقتطفاتٍ مختصرة منها، مما يتعلق بموضوع البحث:

من صور الوقف المباشر العيني على البحث العلمي:

1- وقف الكتب:

 وهذا النوع يصْدق عليه أنه تحبيس أصل لينتفع بالاطلاع عليه، وهو مما يبقى ويدوم، كما أنه متيسر لكثير من الناس أن يشارك في هذا النوع من الوقف نظراً لقلة كلفة الكتاب في هذا العصر، وسهولة الحصول عليه ونشره، هذا ويمكن أن يشجع الناس على هذا النوع من الوقف ببرامج توعوية تثقيفية في المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وعبر المطويات والنشرات التعريفية بأهمية وقف الكتب لطلاب العلم والباحثين من خلال وسائل وطرق متنوعة.

2- وقف البرامج الحاسوبية:

تحوي البرامج الحاسوبية عدداً كبيراً من الكتب المتخصصة، ويتوفر في هذه البرامج غالباً محرك بحث، يمكن الباحث من الوصول للمعلومة التي يبحث عنها بدقة، وفي كل المواضع، وقد تم إصدار عدد من البرامج المتخصصة في الفقه من الكتب التراثية، أو الكتب والمجلات المعاصرة المتخصصة في الفقه، أو الفتاوى المعاصرة. ويمكن لمن يرغب في الوقف بهذا النوع من البرامج شراء نسخ من البرنامج العلمي، ومن ثم توفيره للمكتبات العامة ومراكز الأبحاث، أو إهداؤه للباحثين وطلاب العلم.

3- وقف المكتبات:

وذلك بأن يقوم الواقف ببناء مكتبة وتزويدها بالكتب التي يحتاج إليها الباحثون في العلوم النافعة في شتى التخصصات، أو في التخصص الذي يحدده الواقف، كما يتم تزويدها بالوسائل التي تخدم الباحثين، والمكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية هي جزء من الصورة التي سادت المجتمعات في التاريخ الإسلامي وفي هذا العصر، خاصة في مكة المكرمة والمدينة النبوية التي اندثر كثير منها.

4- وقف الأجهزة:

يمكن للواقف أن يوقف أجهزة الحاسب، أو التجهيزات التي تحتاجها المكتبات، أو المعامل المتخصصة، أو الأدوات والأجهزة التي يحتاج إليها الباحثون، مما يمكن الانتفاع به بعينة لخدمة الباحثين، وتطوير البحث العلمي.

الوقف الاستثماري لدعم البحث العلمي:

تبرز في العصر الحاضر أهمية توفير الموارد المالية بصيغة الوقف الاستثماري الذي يصرف ريعه لدعم البحث العلمي؛ نظراً لتطور البحث العلمي، وتطور الإدارات الإشرافية، ومراكز البحوث، وسعة مجالات البحث العلمي لمواكبة متغيرات العصر وفق الأسس العلمية.

أبرز المجالات والكيانات البحثية التي يمكن صرف ريع الأوقاف فيها:

* مراكز البحوث:

تعتبر الموارد المالية من العناصر الأساسية لإنجاز البحث العلمي في الواقع المعاصر الذي يتطلب مجموعة من المصروفات اللازمة لإنجاز البحث العلمي على الوجه الأمثل في مراكز البحوث المتخصصة. ومن هذه المصروفات:

- المصروفات على الجهاز الإداري: وهذا الجهاز له أهمية بالغة في وضع خطة الجامعة أو مركز البحوث، واستكتاب الباحثين، أو تلقي طلباتهم ومشاريعهم البحثية، والتواصل معهم، والإشراف العلمي، وتقديم الخدمات للباحثين.. إلى غير ذلك.

- مكافآت الباحثين: وهذه المكافآت لها أهميتها في حفز الباحثين على تفريغ أوقاتهم للانشغال بالبحث العلمي. ويجوز الصرف من الوقف لطلاب العلم والباحثين بإعطائهم مبالغ بصورة مكافأة أو حافز أو نحو ذلك؛ لما في ذلك من مصالح ظاهرة. كما أنه يجوز للباحثين أخذ هذه المكافآت مع إخلاصهم النية أن تكون هذه الأبحاث مبتغًى بها وجه الله لا عرضاً من الدنيا، وهذه المكافآت مما يعين على طاعة الله.

- رواتب الباحثين:

تضم مراكز الأبحاث عدداً من الباحثين الدائمين في المركز، ووجود الباحثين الدائمين مفيد جدًّا في إثراء البحث العلمي، والقدرة على إنجاز خطة البحث في أي مجال من المجالات التخصصية، وما يصحبه من إنجاز للبحوث، والنقاش المثمر بين الباحثين. والصرف من الأوقاف المخصصة لدعم البحث على العلمي على رواتب الباحثين جائز، ويعتبر من المصارف الأساسية، خاصة وأن الباحث فرغ منفعته ووقته وفق عقد الإجارة على العمل الموقع مع مركز الأبحاث.

- مكافآت اللجان العلمية:

وتقوم هذه اللجان بالإشراف العلمي، وضمان جودة الإنتاج العلمي في المؤتمرات والندوات والمجلات العلمية ومراكز البحوث ونحوها، وتكون مكافآت هذه اللجان غالباً مقابل الاجتماعات بمبلغ مقطوع لكل اجتماع حسب اللوائح المالية المنظمة. ويمكن الصرف من الأوقاف المخصصة للبحث العلمي على اللجان العلمية؛ لأن وجودها يحقق مصلحة البحث العلمي وجودته والتخطيط له.

- مكافآت التحكيم العلمي:

جرت العادة أن يكون هناك تحكيم علمي وفق أسس علمية بحيث يعطى البحث بعد إنجازه لاثنين أو أكثر من المحكمين، لإبداء تصويباتهم، ومقترحاتهم التطويرية، ولإعطاء حكم لقبول البحث للنشر أو عدمه. ويجوز الصرف من الأوقاف المخصصة للبحث العلمي على هذا النوع من المكافآت لما في ذلك من مصلحة تطوير البحث العلمي، والاطمئنان لصلاحيته للنشر.

الموسوعات العلمية:

تقدم الموسوعات العلمية المتخصصة خدمات نافعة للباحثين، وتوفر لهم كثيراً من الوقت والجهد، خاصة إذا اعتني فيها بالإشراف العلمي، واختيار الباحثين المتميزين، ومن أمثلة هذه الموسوعات في عصرنا الحاضر: الموسوعة الفقهية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف في الكويت، التي أصدرت ما يزيد على خمسين مجلداً، كما أنها صدرت في نسخة إلكترونية، ومن الموسوعات التي جمعت كتب التراث في الفقه، وموسوعة جامع الفقه الإسلامي التي قامت بإعدادها شركة حرف للتقنية، وقد قامت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بشراء نسبة كبيرة من هذه الموسوعة وإتاحتها مجاناً على موقع الإسلام الذي تشرف عليه الوزارة.

والموسوعات قد يكون الهدف منها بحث مسائل وجمعها وتحريرها في مجال معين، مثل تأليف موسوعة في القضايا الفقهية المعاصرة، أو المعاملات المالية المعاصرة، أو المسائل الفقهية في القضايا الطبية المعاصرة. وقد يكون الهدف منها جمع ما كتب في موضوع معين من الكتب والبحوث المحكمة وغيرها، والمقالات، والقرارات المجمعية، وقرارات الهيئات العلمية، مثل تأليف موسوعة في بحوث المعاملات المعاصرة، أو المعاملات المصرفية.

كراسي الأبحاث:

برزت هذه الصيغة من صيغ البحث العلمي وتطوير مؤسساته وموارد دعمه، وقد أثبتت نجاحها في تشجيع المتبرعين على التبرع لدعم هذه الكراسي التبرع المقطوع، أو الوقف لصالح كرسي محدد أو كراسي متجددة. وأوصي بهذه المناسبة القائمين على هذه الكراسي بتطوير عمل هذه الكراسي، والاهتمام بتشغيلها وإدارتها بالأسلوب الأمثل لتتحقق منها النتائج العملية التي تخدم المجتمع.

مراكز التميز:

نشأت حديثاً مراكز التميز في الجامعات السعودية بدعم من وزارة التعليم العالي، ومن هذه المراكز: مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وأقترح التوسع في إنشاء مثل هذه المراكز البحثية بدعم من الأوقاف التي تخصص لدعمها، وكذلك التوسع في دعم ميزانيات المراكز القائمة من الأوقاف الموجودة، والأوقاف التي يدعى الناس للمشاركة فيها.

مراكز تأهيل الباحثين:

ظهرت مراكز التدريب المهاري والتطوير الإداري بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وأرى أننا بحاجة إلى مراكز متخصصة في تأهيل الباحثين، وخاصة في العلوم الشرعية؛ لتكون مساندة للجامعات، وتزود الباحث بكافة المهارات في طريقة البحث العلمي المعاصر، والمهارات التقنية، ومهارات التفكير الإبداعي والابتكاري في مجال الفقه المعاصر، ويتم دعم هذه المراكز بالأوقاف، كما أنه يمكن أخذ رسوم مناسبة من الباحثين، أو من الجهات الراعية للباحثين.

مراكز البيئة الابتكارية في العلوم الشرعية:

أقترح إنشاء مراكز علمية متخصصة في مجال العلوم الشرعية، توفر لها كافة التجهيزات والخدمات البحثية، والوسائل التعليمية، وتهيئة المكان ليعطي الباحث قدرة أكبر على التفكير والبحث، مع وجود أجنحة تمثل تاريخ المذاهب الفقهية ومدارسة مدعمة بالمراجع والوسائل التعليمية، وتزويد المركز بقاعات التدريب والاجتماعات النقاشية إلى غير ذلك من الأفكار التطويرية التي يمكن أن تخرج في دراسة مستقلة.

صيغ إنشاء الأوقاف على البحث العلمي:

هناك عدة صور يمكن أن تكون صيغة ملائمة لإنشاء وقف يستفاد منه أو من ريعه في دعم البحث العلمي، ومن أبرزها:

1- وقف العقار:

من أوضح الصور الوقفية، وأكثرها أماناً وقف العقار كالأراضي، والمزارع، والمباني التجارية والعمائر، ونحوها، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على مشروعية وقف العقار. ويستفاد من ريع العقار الموقوف لأغراض البحث العلمي في صياغة خطة تشغيلية مثالية لموارد ثابتة، ويمكن مضاعفتها باستثمارها، وبزيادة حجم الوقف.

2- وقف المنقول:

يشرع وقف المنقول الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالحيوانات، والأجهزة، ونحوها. ويدل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله".

3- وقف النقود في محافظ استثمارية:

اختلف الفقهاء في جواز وقف النقود على ثلاثة أقوال، والراجح من هذه الأقوال هو جواز وقف النقود، ما دامت تحقق مصلحة شرعية، مثل أن يتم إقراضها للمحتاجين من الباحثين مثلاً، أو أن تستثمر ويصرف ريعها في مصارف الوقف. والمجال رحب في هذا العصر لوقف النقود في المحافظ الاستثمارية وغيرها، وتتولى استثمارها الجهات المالية والاستثمارية المتخصصة، مع مراعاة الضوابط الشرعية، وضوابط الاستثمار الآمنة. ومن ثم يستفاد من ريعها في مصارف الوقف.

4- وقف الأسهم في الشركات المساهمة:

وقف الأسهم في الشركات المساهمة من قبيل وقف المشاع، وذلك أن السهم: صك يمثل حصة شائعة في صافي موجودات الشركة، ووقف الأسهم مشروع مع مراعاة الضوابط الشرعية والاقتصادية في شراء الأسهم.

مراعاة قواعد الاستثمار الآمنة:

وتمتاز هذه الصيغة بسهولة المشاركة بأوقاف من خلالها للأفراد والشركات، فيمكن لأي فرد أن يوقف أسهماً يملكها، أو يشتري أسهماً بمبالغ يسيرة في متناول متوسطي الدخل، ودون حاجة كذلك إلى كثير من اللوائح التنظيمية.

كما أنه يمكن للجامعات أن تتملك محافظ استثمارية متخصصة في الأسهم، وتدعو عموم الناس للمساهمة فيها وفق تنظيمات هيئة السوق المالية، وبالتعاون مع شركات الوساطة المالية، وينص في لوائح المحفظة الوقفية على مصارف الوقف، في دعم البحث العلمي.

5- وقف بالإفادة من عقد الاستصناع:

ويتم عقد الاستصناع بين الجهة الراعية للوقف مثل الجامعة، وجهة ممولة تقيم بناءً على أرض الوقف، ويكون البناء مملوكاً لتلك الجهة التي تولت بناءه، وتشتريه الجامعة بناءً على اتفاق مسبق بثمن مؤجل على أقساط سنوية أو شهرية، والغالب أن تكون أقل من الأجرة المتوقعة من تأجير المبنى، ومع نهاية تسديد الأقساط تؤول ملكية المبنى للأوقاف، وهذه الطريقة مطبقة في عدد من الدول الإسلامية.

6- الوقف من خلال المشاركة:

يقدم الناظر الجامعة أرض الوقف لممول يقوم بتشييد بناء عليها يكون ملكاً له، والأرض تبقى على أصلها من ملك الوقف، ويقوم الناظر بتأجير العقار كاملاً، والأجرة توزع بين الوقف ومالك البناء بحسب استحقاق كل من الأرض والبناء.

7- الوقف من خلال المشاركة المتناقصة:

تقوم على صيغة المشاركة العادية مع إضافة عنصر جديد، وهو قيام الوقف بتخصيص جزء من عائده الربح لشراء البناء من الممول تدريجياً حتى تؤول ملكيته نهائيًّا إليه، فيصير الوقف مالكاً للأرض والمبنى معاً.

ويتَّضِحُ من هذه الصيغة والتي سبقتها أنه ليس فيهما معنى شراكة العقد التي تكون فيها الحصة شائعة بين الشريكين، وإنما هي شركة ملك؛ إذ يبقى الوقف مالكاً للأرض، والممول مالكاً للبناء؛ وهذا ما يجعل هذه الصيغ متلائمة مع الطبيعة الخاصة للوقف.

 استثمار أموال الوقف:

المراد باستثمار أموال الوقف هو استثمار أصل الوقف عقاراً كان أو منقولًا، أو استثمار الريع الناتج عن استغلال الوقف. وهذا الاتجاه في تعريف استثمار أموال الوقف هو ما انتهى إليه منتدى قضايا الوقف؛ حيث أشار في القرارات والفتاوى المتعلقة باستثمار أموال الوقف إلى أن المقصود باستثمار أموال الوقف: تنمية الأموال الوقفية سواء كانت أصولا أم ريعا بوسائل ومجالات استثمارية مباحة شرعاً.

والواقف إما أن ينص صراحة على استثمار الأصل الموقوف إما مباشرة، أو بجزء من ريعه، أو استثمار الريع، أو جزء منه، أو يترك ذلك كله دون تحديد، وهذه الصور تمثل مجالا واسعا لأهل الخير ممن يريدون وقف أموالهم، مع تحديد سبل المحافظة على الأصول الوقفية وتنميتها مستقبلا وفق خطة مناسبة من خلال استثمار نسبة معينة من الريع، مما يؤدي إلى الزيادة المستمرة لأصولهم الموقوفة، ويمكن للواقف أن يجعل هذا الأمر من شروطه التي ينبغي مراعاتها؛ وهي اشتراطات معتبرة ومقبولة يجب العمل بها؛ ولأنها لا تنافي مقتضى عقد الوقف.

والقول بجواز الاستثمار ظاهر وبارز، ولكن حيث ما ورد القول بجواز الاستثمار فإنه لا بد أن يكون ذلك بضوابط دقيقة يحسن تلخيصها في الآتي:

1- أن يكون الاستثمار في وجه من الوجوه المباحة شرعا، فلا يجوز للناظر أو لهيئة الوقف إيداع أموال الوقف بقصد الحصول على الفوائد الربوية، أو الاستثمار في السندات الربوية، أو شراء أسهم لشركات أصل نشاطها حرام.

2- مراعاة شروط الواقفين فيما يقيدون به الناظر في مجال تثمير ممتلكات الأوقاف.

3- عدم المجازفة والمخاطرة في المشروعات ذات المخاطر العالية.

4- التنويع في المحفظة الاستثمارية للتقليل من المخاطر.

5- اختيار صيغ الاستثمار الملائمة لطبيعة الأوقاف بما يحقق مصالح الوقف، ويجنبه مخاطر ضياع حقوق المستفيدين.

ويمكن استثمار أموال الوقف بأدوات الاستثمار الشرعية التي تتسم بالكفاءة الاقتصادية، وقلة المخاطرة، والإفادة من البنوك الإسلامية، والشركات الاستثمارية المتخصصة، ومن العقود والصيغ الملائمة، ومنها: عقد السلم، والمشاركة، والمضاربة، والمشاركة المتناقصة، والمرابحة للآمر بالشراء، والمشاركة في الوقت.

0 شخص قام بالإعجاب