الفلسفة الرواقية ومعالمها: تحليل ونقدمقالات

مصطفى حلمي

الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي، المفكر المعروف، والمتخصص في الأديان والمذاهب الفلسفية، يتحدث في مقالته: "الفلسفة الرواقية ومعالمها: الأخلاق والصلة بين الطبيعة والعقل ونقد المذهب" عن هذه الفلسفة، وينتقدها بقلم الخبير في نقد مثل هذه الفلسفات، ونختار من هذا المقال الفقرات التالية:

* ظهرت الفلسفة الرواقية - نسبة إلى المدرسة التي أنشأها زينون 264- 336 ق.م، بمدينة أثينا، أوائل القرن الثالث قبل الميلاد.

* كان ظهور الرواقية إيذانًا بتغليب الفكر الشرقي أو حملة هذا الفكر إلى اليونان؛ إذ أن أغلب أنصار الرواقية من الشرقيين.

* يعنى الرواقيون بالعناية الإلهية، وتعريفهم لها بأنها "الضرورة العاقلة التي تتناول الكليات والجزئيات"، مع تبرئتها من الشر. أما الشر الذي نراه في العالم فهو ضروري له كضد الخير.

* من المفكرين من يعد أثر الرواقية من خطورة الشأن بحيث امتد أثرها حتى العصور الحديثة. يقول رودييه: "إن الإنسانية المفكرة إنما عاشت على المذهب الرواقي حتى أدركت المسيحية ولبثت تتغذى منه بعدها حقبة من الزمان".

 * المتأمل في حياة زينون مؤسس المدرسة يعثر على مادة مهمة تصلح لدراسة مدى اتصاله بالأفكار الدينية السابقة على ظهور الفلسفة اليونانية - ونعني بها الفكر الشرقي القديم، وكأنه أحياها من جديد في قلب بلاد الإغريق. وفي مذهب زينون عنصر مميز عن فلسفة الإغريقيين، فهو يتصل بالفينقيين، - أو تقاليد الساميين - مما جعله يختلف في آرائه وأخلاقه عن فلاسفة اليونان.

* الفلسفة أو الحكمة الرواقية:

إن الفلسفة في الرواقية هي "محبة الحكمة ومزاولتها"، ويتضح من هذا التعريف الناحية العملية في هذه الحكمة حيث تشترط العمل والمزاولة. كما يظهر من التعريف التالي أيضًا الاهتمام بالإلهيات، فالحكمة أيضًا هي "علم الأشياء الإلهية والإنسانية". كذلك يتضح أيضًا أن هدف الرواقيين هو تجاوز نظرة سقراط القاصرة على الأمور الإنسانية، حيث أضافوا إليها النظرة في الأمور الإلهية.

وتتضح أيضًا الصبغة الأخلاقية للفلسفة الرواقية التي تحتل فيها الأخلاق المكان الأول، فالفلسفة عندهم أيضًا هي ممارسة الفضيلة بحيث يمكن القول بأنها في صميمها مذهب أخلاقي، أو بعبارة أخرى تجعل من الأخلاق الغاية والثمرة، فالحكمة عندهم تشبه حقلًا أرضه الخصبة العلم الطبيعي وسياجه الجدل، وثماره الأخلاق.

 * الأخلاق في المذهب الرواقي:

دعا سقراط إلى السعادة القائمة على تغليب العقل على دوافع الشهوة ودواعي الحس، كما عرفنا من اتجاه كل من أفلاطون وأرسطو أنهم يرون أيضًا فكرة السعادة في ضبط النفس. ثم جاء زينون "270 ق. م" فرأى ضرورة العمل على قمع الأهواء ووأد الشهوات ومحاربة اللذات والإشادة بحياة الزهد والحرمان، تحقيقًا للسعادة الرواقية.

* من يدرس الفلسفة في المدرسة الرواقية، يتبين له أن الرواقية في صميمها مذهب أخلاقي، فما هو هذا المذهب وما هي سماته الرئيسية؟

إن ما يدل على أن الأخلاق تحتل المرتبة الأولى في المذهب الرواقي هو تعريفهم للفلسفة ذاتها، فهي عندهم ممارسة الفضيلة، والفضيلة صناعة واحدة لا تتجزأ، وهي أشرف الصناعات متصلة، وهي تلائم طبيعة البشر ملاءمة خاصة. ويظهر وجه الاختلاف بينهم وبين أرسطو، أنه لم يطالب بالعمل على استئصال الشهوات وقمعها، بل اكتفى بإخضاعها لحكم العقل وسيطرته، لأن الشهوات لها مكانها في الطيعة الإنسانية، ووقف الرواقيون على الضد، فاحتقروا الأهواء واعتبروها مخالفة في جوهرها لمنطق العقل مطالبين باجتثاثها وإبادتها بقدر الإمكان.

* الصلة بين الطبيعة والعقل لدى الرواقيين:

إذا كانت الطبيعة تتجه إلى غايتها بلا شعور في الجماد والنبات، وبالغريزة والشعور في الحيوان، فإنها تتخذ في الإنسان طريقًا آخر هو العقل، فهو أكمل الطرق لتحقيق أسمى الغايات، ووظيفة الإنسان أن يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وأن يترجم عنه بأفعاله، أي أن يحيا وفق الطبيعة والعقل. ولذا أطلق زينون عبارته المشهورة "الحياة وفقًا للطبيعة" ومعناها أولًا أن يعيش الإنسان على وفاق مع العقل، فاستخدم لفظ الطبيعة مرادفًا للقانون الكبير الذي يحكم العالم، ومن ثم فإن سعادة الإنسان تتحقق إذا عاش وفيًا للطبيعة الكلية، ويوضح لنا هذا التفسير العبارة التي قالها أحد الرواقيين: "كل شيء يلائمني إذا لاءمك أيها العالم. وما جاء في الوقت الملائم بالنسبة إليك، فليس متقدمًا ولا متأخرًا بالنسبة إلي، وكل ما جاءتني به فصولك أيتها الطبيعة فهو تارة عندي، كل شيء يأتي منك، وكل شيء فيك، وكل شيء يعود إليك". الطبيعة إذن بمعناها في العبارة الآنفة الذكر هي قوانين الوجود، وبمعناها الضيق المتصل بسلوك الإنسان هي العقل، وهما أمر واحد في نظر الرواقيين.

* ولكن كيف تتحقق هذه السعادة؟

وللإجابة على هذا السؤال علينا أن نتبين:

أولًا: الطريقة التي رأوا اتباعها لتحرير النفس من أوهام الأحكام.

ثانيًا: التمييز بين الإحساس الجسماني والموقف النفساني.

وفيما يتعلق بالشق الأول، فإنهم نظروا إلى الشرور نظرة ذات شقين: إحداهما باطنية كالخطأ وزعزعة الإيمان والأسفل والندم والحزن والجهل. وخارجية: كالفقر والرق والمرض والبؤس والإهانة والأذى والتشهير. وعالجوا المشكلة علاجًا عقليًا إذ ذهبوا إلى أن الأشياء الخارجية لا تؤثر بذاتها فينا ولكن المؤثر الحقيقي هو الاستعداد النفسي الذي يجعلنا نحكم عليها لنصفها بالحسن أو القبح بالخير أو الشر، وهذه الأحكام هي سبب شعورنا بالسعادة أو بالشقاء.

ولكن الانفعالات المتولدة في النفس أمر خارج عن سلطان وللإرادة أو الأحكام العقلية، كاللذة والألم أو الخوف أو الرجاء، هذا هو الاعتراض الذي شغل الرواقيين، إنهم يقرون بأن الانفعالات النفسية هي حجر عثرة في طريق السعادة، وفي سبيل تذليل هذه العقبة فرقوا بين الإحساس الجسماني الذي لا قدرة لنا عليه، وبين الموقف النفساني الذي نتخذه عقب الإحساس وهو يتصل بقدرتنا وإرادتنا.

ومع الاعتراف بأن الألم يصيب المرء فيحتمله تارة ويضنيه أخرى، فإن هذا يدل على أنه يستطع أن يقرر بحريته إذا كان من اللائق به الاستسلام للألم. ويسري على باقي الانفعالات كالحزن والخوف وغيرها ما يسري على الألم. وعلاج المسألة في نظرهم بالرجوع إلى العقل الذي يوضح لنا أن أحداث الكون كلها ضرورية لأنها خاضعة للقدر، والرجل الفاضل الحكيم هو الذي يقبل طوعًا كل ما يأتي به القدر من أحداث، حتى المصائب والنكبات، معتقدًا أنها داخلة في النظام الكلي والقضاء الإلهي.

* نقد الرواقية:

إن طريقة حياة الحكيم الضابط لنفسه كما يريدها أهل الرواق تدخل في روعنا صورة كائن صناعي متضخم العقل على حساب الروح والعاطفة، وليس الإنسان كذلك بل هو مزيج من العقل والوجدان والعاطفة، ولا تتحقق سعادته الأرضية إلا بالموازنة بين هذه العناصر لتتحقق الوسطية بينها فينتج عنها السعادة، وهو المنهج الذي رسمه الإسلام بتشريعه المحدد للسلوك الإنساني في دائرة "الحلال" دون "الحرام" مستجيبًا لدواعي الفطرة في الإنسان وضابطًا لنوازعها بلا تفريط ولا إفراط.

ومما يقرب إلينا فهم ميزة الإسلام في هذا الصدد أن نتدبر العبادات ودورها في تقويم السلوك وتربية الضمير، وأهمها الصلاة قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] وفي دور الصلاة واستيعابها لحياة المسلم اليومية يقول الشيخ محمد الراوي "إن القرآن العظيم جعل الإنسان دائمًا مرتبطًا بالواجبات منوطًا بالتبعات وهو يرسم له في يومه الذي هو وحدة زمنية متكررة منهجًا يستوعب اليوم كله، واليوم عنده يبتدئ من مطلع الفجر الصادق حيث تقام الصلاة ويلتقي الناس على ذكر الله، وهو يطلب دائمًا أن يكون اليوم أفضل من الأمس، ومن استوى يومه بأمسه فهو مغبون. وهكذا فإن المنهج اليومي بالنسبة للصلاة خمس فرائض، أولاها تبعثه من نومه وتوقظه، وآخرها تودعه إلى مرقده وتحفظه، وثلاث تأتي في وسط النهار وآخره، تمتزج مع السعي ونتائجه فتستقيم بها حياة الروح والجسد، وبهذا الامتزاج تنشأ آداب السلوك التي تضبط كل حركة من حركات الإنسان بضابط الخلق ورقابة الضمير".

إن الإسلام إذًا بعقيدته وعباداته - وأهمها الصلاة - يصحح لنا الموقف الأخلاقي للرواقية، فقد صورت لنا هذه المدرسة الإنسان الحكيم وكأنه معصوم من الوقوع في الزلل والخطأ فأين نجد هذا الإنسان في حياتنا اللهم إلا في أشخاص الرسل والأنبياء؟ وحتى هؤلاء، فقد خاضوا حياتهم كاملة ولم يكتفوا بحياة التأمل والنظر في النفس وضبطها - بل حملوا الرسالات التي ناءت بها كواهلهم على ثقلها، مع تميزهم أيضًا بأفضل الأخلاق وأحسنها.

وفي نهاية مقالته يقول الدكتور مصطفى حلمي:

من الحق أن يقال: إن البحث الأخلاقي عند اليونان لم يكن بدءًا غير مسبوق بمقدمات تسلم إليه، فإن في حكمة الشرق الضاربة في أغوار الماضي السحيق اتجاهات أخلاقية واضحة المعالم، في تراث مصر والهند والصين واليابان صور مختلفة من التفكير الأخلاقي الأصيل نبتت في ظله فلسفة الأخلاق في أعمق اتجاهاتها، ونحن نرى أن الرسالات السماوية قامت على الدعوة - بعد معرفة الله تعالى وتوحيده وتطبيق شرعه - إلى مكارم الأخلاق ومعاليها. لذلك فإن النتائج الأخلاقية الصحيحة للفلاسفة ما هي إلا صدى بعض رسالات الرسل والأنبياء.

0 شخص قام بالإعجاب


شاهد أيضاً