أسلوب المدح في الدعوة إلى الله تعالىمقالات

المستودع الدعوي الرقمي

إن المدح من أنواع التخاطب بين أفراد الجنس البشري، فما زال الناس يتمادحون ويطري بعضهم بعضًا لمقاصد وغايات وأهداف شتى، فتارةً يكون المدح بقصد التزلُّف لأرباب الدنيا للوصول إلى مقاصد دنيوية، وقد يكون المدح وسيلة تربوية للتشجيع على تحسين العمل وتجويده، وقد يكون المدح على سبيل المجاملة المحضة.

والداعية إلى الله يحتاج إلى معرفة متى يستعمل أسلوب المدح، وما الصنف من المدعوين الذي يناسبه هذا الأسلوب.

المقاصد المحمودة لأسلوب المدح في الدعوة والتربية:

إن المدح يندرج في الفقه الدعوي تحت باب تأليف القلوب، وكل ما جاء في الحث على تأليف قلوب المدعوين، كالحث على الكلمة الطيبة، والموعطة الحسنة، يدخل في الحث على مدحهم بضوابطه.

وقد جاء في السنة النبوية شواهد عديدة على استعمال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم).

إن المدح للفعل الحسن والأمر المحمود يكون للترغيب في ذلك الفعل، والتحريض على الاقتداء به في أشباهه.

فكم من كلمة مدحٍ وتحفيز كانت سببًا في نجاح وتفوق باهر؟ فهذا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى يقول: لما رأى الإمام البِرزالي خطي قال لي مستحسنًا: إن خطك هذا يشبه خط المحدثين؛ فحبب الله لي علم الحديث.

والداعية والمربي يتفرس في نفوس المدعوين، ويعلمُ مَن منهم يؤثِّرُ فيه أسلوب المدح والتحفيز والتشجيع، كما فعل العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعا أبا سفيان رضي الله عنه للإسلام، واستجاب لذلك، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. (السيرة النبوية) لابن هشام (2/403).

ضوابط المدح:

  1. يحرم المدح بالكذب وبالمجازفة، ومن ذلك مدح الظالمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إنَّها ستكون بعدي أُمراء يظلمون ويَكذبون ، فمن صدَّقَهُم بكذبهم، ومالأهم على ظُلمِهم، فليس مني ، ولا أنا منه ، ومن لم يُصدِّقهم بكذبِهِم ، ولم يُمالئهم على ظُلمِهم ، فهو مني وأنا منه). أخرجه أحمد .
  2. يستحب المدح في غير وجه الممدوح الذي لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحةٌ ولم يجرّ إلى مفسدة؛ بأن يبلغَ الممدوحَ فيفتتن به، أو غير ذلك.
  3. إن كان المدح في وجه الممدوحِ، والممدوح عنده كمالُ إيمان، وحسنُ يقين، ورياضةُ نفس، ومعرفةٌ تامة، بحيث لا يفتتن، ولا يغترُّ بذلك، ولا تلعبُ به نفسُه فليس المدح بحرامٍ ولا مكروه.

جاء رجل إلى الإمام أحمد فذكر أنه كان عند بشر فذكروه فأثنى عليه بشر، وقال: لا ينسى الله لأحمد صنيعه، ثبت وثبتنا، ولولاه لهلكنا قال عبد الله: ووجه أبي يتهلل، فقلت: يا أبت أليس تكره المدح في الوجه؟ فقال: يا بني إنما ذكرت عند رجل من عباد الله الصالحين، وما كان مني فحمد صنيعي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة المؤمن).

  1.  وإن خيف عليه شيءٌ من هذه الأمور كُرِهَ مدحُه كراهةً شديدة، وعلى هذا يُحمَل ما جاء من أحاديث في النهي عن المدح، كما جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: (سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يثني على رجل ويطريه في المدحة؛ فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل) . رواه أحمد والبخاري ومسلم.

الاطراء: المبالغة في المدح.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب». رواه أحمد ومسلم من حديث المقداد.

واستعمله المقداد على ظاهره فحثى التراب في الوجه، وقاله بعضهم: كذا فعل ابن عمر برجل أثنى عليه رواه أحمد.

وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: لا يزال الرجل يقال له في وجهه: أحييت السنة. قال: هذا فساد لقلب الرجل.

0 شخص قام بالإعجاب