أولويات الدعوة في منهج الأنبياء عليهم السلاممقالات

زيد بن عبدالكريم الزيد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:



فبين يدي هذا البحث عن: (أولويات الدعوة في منهج الأنبياء عليهم السلام) أقدم بالنقاط التالية:



 



 




  1. أن دعوة الأنبياء دعوة واحدة، من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((والأنبياء إخوة لعلاَّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد))[1].

  2. إن هذه الوحدة بين الأنبياء عليهم السلام لم تأت عبثاً، بل هي وحدة تستدعي من الدعاة الاقتداء والتأسي بها فيما بينهم، درءاً للفرقة والخلاف، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾[2].

  3. أن الخلط بين ما يجوز فيه الاجتهاد، وما لا يجوز فيه الاجتهاد في أولويات الدعوة، أدى إلى الخلاف والشقاق بين الدعاة، وهو ما نرى أثره في تفرق الأمة إلى أحزاب، وفرق، وانتماءات، وولاءات، سببها - في غالب الأحيان - الخلاف حول أولويات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

  4. أن المنهج الذي تلتقي عليه الأمة، لتكون حقاً (أمة واحدة) هو منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين كانوا يتلقون هذا المنهج بوحي من الله سبحانه، لا باجتهاد بشري. ولذلك أُمر محمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِه ﴾[3]، وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾[4].



ولكي نقرر في هذا المبحث نتيجة دعوية، تكون ذات قبول من الجميع، فإننا لن نتجاوز نصوص القرآن الكريم التي روت لنا دعوة الأنبياء عليهم السلام، وبعض الأحاديث الصحيحة الثابتة عن دعوته صلى الله عليه وسلم. وبخاصة وأن القضية ذات أساس مكين في الدعوة، تمس أولوياتها وتنسب إلى الأنبياء عليهم السلام، داعين الإخوة الدعاة في كل مكان، إلى هذه الأولويات؛ لتكون جزءاً رئيساً في منهج الدعوة، الذي لا يتأثر بالزمان ولا بالمكان.



 



 



مدخل:



 



 



 



 



 



 



يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾[5]، فتحقيق العبودية لله سبحانه؛ هي الغاية من خلق الجن والإنس، وللدلالة على طريق هذه العبودية: بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيهِ أَنَّهُ لاَ إِلَه إِلاَّ أَنَاْ فَاعبُدُونِ ﴾ [6].



 



 



 



 



 



 



وجاء التركيز على هذه العبودية، لتحرير الإنسان من الارتباط بالشهوات، والأهواء، والآراء، التي تجر صاحبها إلى قيود العبودية البشرية، ﴿ أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ [7].



 



 



 



 



 



 



وإن الحرية الحقيقية هي في العبودية لله سبحانه وتعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الحرية: حرية القلب، والعبودية: عبودية القلب"[8].

ويقول: "إنما دين الحق: تحقيق العبودية لله، بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية؛ تكمل محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا، يكون نقص هذا"[9].



 



 



 



 



 



 



فالمهم هو: تحرير هذا القلب لربه، فلا يصرف أي شيء من العبادة لغير الله، وإذا استقام القلب استقامت الجوارح: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))[10].

ولن تجتمع قلوب هذه الأمة إلا على التوحيد، وإذا اختل التوحيد فكل له معبود، وكل له هدف، وعندها تتعدد الأودية والشعاب، وكل سيسلك وادياً يهلك فيه، إلا من عصم الله بالبقاء على التوحيد.

ولن تستقر النفوس إلا بالتوحيد: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾[11]، ويقول تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾[12]. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فكل الذنوب وعد الله سبحانه وتعالى بمغفرتها، إلا الشرك، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِك بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾[13].

يقول ابن قيم الجوزية، في (مدارج السالكين): "وكلما كان توحيد العبد أعظم كانت مغفرة الله له أتم، فمن لقيه لا يشرك به شيئاً البتّة؛ غفر له ذنوبه كلها، كائنة ما كانت، ولم يعذب بها"[14].



 



 



 



 



 



 



ويقول أيضاً رحمه الله تعالى في زاد المعاد: "ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات؛ لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثاً كما كان، كالكلب إذا دخل البحر، ثم خرج منه، فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة"[15].

هذا هو التوحيد؛ يجمع القلوب، ويحرر الإنسان في الدنيا، وصاحبه لديه وعد من الله بالغفران، مهما كانت ذنوبه؛ متى نجا من تلويث الشرك وأدرانه.



 



 



 



 



 



 



ولذلك لم يكن غريباً أن يكون للتوحيد مكانة خاصة، مميزة في منهج دعوة الأنبياء عليهم السلام، اتفقوا عليها في كل دعواتهم، رغم تباعد العصور والأمكنة، وهو ما سنوضحه في الفقرة التالية.



 



 



 



 



 



 



أولويات الدعوة في منهج الأنبياء عليهم السلام:



 



 



 



 



 



 



لمعرفة أولويات الدعوة في منهج الأنبياء عليهم السلام؛ لابد من الرجوع إلى تاريخ دعواتهم عليهم السلام، بماذا بدأ كل منهم، وبماذا ثنّى في قضاياه مع أمته التي بعث إليها، وأوثق مرجع وأصدقه هو القرآن الكريم، مع ما يبينه من السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.



 



 



 



 



 



 



ولقد تحدث القرآن الكريم في مواضع منه، عن دعوات الأنبياء، منها ما جاء مجملاً، ومنها ما جاء مفصلاً، ولذلك سنتحدث في هذا الموضوع وفق الفقرتين التاليتين:



 



 



 



 



 



 




  • أولاً: النصوص الإجمالية من القرآن الكريم، عن دعوة الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى.

  • ثانياً: النصوص التفصيلية من القرآن الكريم، عن بعض الأنبياء في دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى.



أولاً: النصوص الإجمالية من القرآن الكريم:



 



 



1 - يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴾[16]، أي: (ولقد بعثنا أيها الناس، في كل أمة سلفت قبلكم رسولاً، كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له بالطاعة، وأخلصوا له العبادة) [17]. و(ما من أمة متقدمة، أو متأخرة، إلا وبعث الله فيها رسولاً، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له) [18]، وهذا فيه تقرير منهج شامل، لجميع الأنبياء عليهم السلام، يسعهم ويسع الدعاة من بعدهم.

2 - يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيهِ أَنَّهُ لاَ إِلَه إِلاَّ أَنَاْ فَاعبُدُونِ ﴾[19].



 



 



 



 



 



 



(فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم، زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة)[20].



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



رُوي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: "أُرْسِلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم عمل حتى يقولوه ويقروا به"[21].



 



 



 



 



 



 



فهو الخطوة الأولى، الذي لا يصح تجاوزه إلى غيره، ما دام لا يقبل منهم عمل؛ حتى يتم تقريره والإقرار به.



 



 



 



 



 



 



ثانياً: النصوص التفصيلية من القرآن الكريم عن دعوة بعض الأنبياء:



 



 



 



 



 



 



يقول الله سبحانه وتعالى عن دعوة نوح عليه السلام: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [22]، وقال سبحانه وتعالى عن دعوة هود عليه السلام: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ [23]، وقال تعالى عن دعوة صالح عليه السلام: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [24]، وقال تعالى عن دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُون مِن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَّعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُواْ عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدوهُ واشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [25]، وقال تعالى عن دعوة شعيب عليه السلام: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [26]، وقال سبحانه وتعالى عن دعوة عيسى عليه السلام: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُو الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ [27]، وقال عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ تَعَالَواْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ [28]، عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَواْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ الآية"[29].



 



 



 



 



 



 



هذه دعوة الأنبياء، كل منهم يواجه قومه بالدعوة إلى التوحيد، فما بعث نبي إلاّ وبدأ مع قومه بهذه الدعوة[30].



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المنهج لأصحابه، فإنه لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا الصلاة، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس))[31]، يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: "ووقعت البداءة بهما - أي بالشهادتين - لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما"[32].



 



 



 



 



 



 



من هذه الآيات والأحاديث التي استعرضت تاريخ دعوة الأنبياء عليهم السلام، نستطيع أن نقرر أن الأنبياء عليهم السلام، متواطئون على دعوة الناس إلى التوحيد أولاً، لا فرق بين رسول ورسول، وأن من كذب رسولاً من رسل الله فهو مكذب بالرسل أجمعين، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾ [33]، مع أنهم لم يواجهوا بهذا التكذيب إلا رسولاً واحداً، هو نبي الله نوح عليهم السلام، ومثل هذا قيل لقوم هود: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [34]، وقوم صالح: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ ﴾[35]، وقوم لوط: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ ﴾ [36]، وأصحاب الأيكة: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُْرْسَلِينَ ﴾ [37]، مما يدل على وحدة الدعوة، وترابطها ترابطاً وثيقاً، يجعل المصدق بواحد من الأنبياء مصدق بالجميع، والمكذب لواحد منهم مكذباً بالجميع.



 



 



 



 



 



 



وعلى هذه الأصول اتفقت دعوتهم عليهم السلام، واجتمعت كلمتهم لتؤكد أن القضية الأولى، في جميع الدعوات، من لدن أول الأنبياء إلى آخرهم، يجب أن تبدأ بالتوحيد، أياً كانت الظروف والأحوال التي يعيشها هذا المجتمع، مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة.



 



 



 



 



 



 



ثم إذا سرنا قليلاً في دراسة دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، سنجد أنهم بعد هذه القضية - قضية تقرير العقيدة في النفوس - وعند الشروع في القضية الثانية، التي يدعون إليها، يختلف الأمر، فنجد أن لكل نبي قضية خاصة يركز عليها، فكل نبي يُعنى عناية خاصة بالأمراض التي توجد في مجتمعه وبين قومه.



 



 



 



 



 



 



فإبراهيم (أبو الأنبياء) عليه السلام اهتم كثيراً بالتوحيد، ومحاربة الشرك، يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [38]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [39]، وقال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، إَئِفْكاً ءَالِهةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ [40]، وكأنه عليه السلام يرى ما وقع فيه بعض الناس من الضلال؛ بسبب الشرك الذي صرفهم عن الحق، الذي أتى به الرسل: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنَىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [41]. وإنه ليخيل لمن يقرأ قصص دعوة إبراهيم عليه السلام في القرآن، أنه عليه السلام لم يبعث إلا بالتوحيد؛ وذلك بسبب تفشي الوثنية في مجتمعه، فكان التوحيد هو قضية إبراهيم عليه السلام الأولى والثانية، في حين نرى أن لوطاً عليه السلام مع اتحاد زمان بعثته، لكن اختلف المجتمع[42]، فقد كان قوم لوط مجتمعاً فشت فيه الفاحشة، واعتادوها، حتى أصبح التنزه عنها جرماً يستحق صاحبه الإخراج والطرد، قال تعالى: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُم قَومٌ عَادُونَ، قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ ﴾ [43]، ولذلك نجد لوطاً عليه السلام يركز بعد الدعوة إلى التوحيد على التحذير من هذه الفاحشة، قال تعالى: ﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ [44]، وقال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكم لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ، أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ ﴾ [45]، وهذا التركيز على هذه القضية، من قبل لوط عليه السلام لا نجد له ما يماثله من قبل الأنبياء الآخرين، مما يعني أن التركيز كان سببه البيئة، وانتشار الفاحشة فيها، وليس لنوعية الفاحشة فقط.



 



 



 



 



 



 



ونجد أنّ نبيّ الله شعيباً عليه السلام يدعو قومه بعد التوحيد إلى أن يوفوا الكيل والميزان؛ وذلك لأن الغش في الكيل والوزن منتشر شائع في قومه، قال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوفُوا الكَيْلَ والمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [46]، وقال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا المِكْيَالَ وَالمِيزَانَ إِنِّى أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾[47].



 



 



 



 



 



 



وموسى عليه السلام بعث في قوم قد تسلط عليهم فرعون، وسامهم سوء العذاب؛ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فاهتم عليه السلام - بعد التوحيد الذي أشرنا إلى أدلته في البداية - بإنقاذ بني إسرائيل من الذل الذي نشأوا عليه، وإحباط ظلم وطغيان فرعون، وتربية العزة والكرامة في نفوس القوم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَءَاتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ، يَا قَوْمِ ادخُلُواْ الأَرضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴾ [48]، وكما خاطب موسى قومه بهذه القضية فقد واجه بها فرعون، قال تعالى: ﴿ فَأتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِل مَعَنَا بَنِي إِسرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُم قَد جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى ﴾ [49].



 



 



 



 



 



 



وعلى هذا فالقضية الثانية في الدعوة تختلف اختلافاً كاملاً عن القضية الأولى؛ القضية الأولى محسومة منتهية، لا مجال فيها لاجتهاد بشر، ولا تتأثر بالبيئة، ولا تختلف باختلاف الزمان أو المكان، فلابد من التوحيد؛ لأنه أساس كل دعوة، ومنطلق كل داعية.



 



 



 



 



 



 



أما القضية الثانية فهي بخلاف ذلك، إذ هي تتأثر بالبيئة وبالزمان والمكان، وكل نبي - كما رأينا - له قضية خاصة؛ نشأت من حاجة مجتمعه، فالمجتمع الوثني المنغمس في الوثنية، تستمر معه قضية التوحيد؛ تأثراً بحاجة المجتمع إلى الاستمرار في هذا الأمر، والمجتمع الذي تتفشى فيه الأخلاق السيئة، يكون مواجهة هذا الأمر هو القضية الثانية وهكذا. ولم يؤثر هذا الاختلاف في وحدة الأنبياء، ولم يكن مصدر نزاع أو مشاقة، بل هو مما يؤكد اتجاه غايتهم جميعاً نحو أسلم طريق للإصلاح وتحقيق الهدف المشترك، وأهم أمر يُصْلَح هو إصلاح علاقة العبد بربه، ثم بعد ذلك يصلح ما فسد من أمر المجتمع كل بحسبه.



 



 



 



 



 



 



ويهمنا من هذا أن نقرر أن الداعية إلى الله صلى الله عليه وسلم يبدأ دائماً - وفي كل الأحوال - بإصلاح العقيدة، ثم يصرف همه إلى معالجة الأمراض الموجودة في المجتمع الذي يدعو فيه[50]، وإذا كان هناك أمراض متفاوتة بدأ بأشدها فتكاً وأعمقها ضرراً على المجتمع.



 



 



 



 



 



 



وما دامت دعوة الأنبياء عليهم السلام بهذا المنهج الواضح، وهم القدوة والأسوة لكل داعية، فلا يسع أحداً الخروج عن هذا المنهج، أو تقديم بعض أولوياته المقررة على بعض، وذلك بإصلاح العقيدة أولاً وهي الأساس.



 



 



 



 



 



 



أما القضية الثانية فالدعاة لهم فيها متسع من الاجتهاد، إذ لكل مجتمع مشكلاته وقضاياه التي قد تختلف عن غيره، وبالتالي يتسع الصدر بين الدعاة في هذا الجانب، فالمجتهد في تقدير القضية الثانية مأجور - إن شاء الله تعالى - فإن أصاب الحق فله أجر آخر على الإصابة، وإن كانت الأخرى فلن يعدم من يعذره؛ لكون المجال سائغاً فيه الاجتهاد، وليس لأحد حق اللوم والتثريب أو المشاقة والمنازعة والفرقة.



 



 



 



 



 



 



وبهذا تتلقى آراء الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وتتآلف القلوب، وينتفي الخلاف، ويحل التعاضد والتآزر، وصلى الله عليه نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



___________________________________________



 



 



 



 



 



 



[1] صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، جـ6 ص478 رقم 3443.



 



 



 



 



 



 



[2] سورة الأنبياء، الآية 92.



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



[3] سورة الأنعام، الآية 90.



 



 



 



 



 



 



[4] سورة النجم، الآيتان 3، 4.



 



 



 



 



 



 



[5] سورة الذاريات، الآية 56.



 



 



 



 



 



 



[6] سورة الأنبياء، الآية 25.



 



 



 



 



 



 



[7] سورة الجاثية، الآية 23.



 



 



 



 



 



 



[8] ابن تيميه، فتاوى شيخ الإسلام، جـ10 ص186.



 



 



 



 



 



 



[9] ابن تيميه، العبودية، ص41.



 



 



 



 



 



 



[10] صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، جـ1 ص126 حديث رقم 52.



 



 



 



 



 



 



[11] سورة الرعد، من الآية 28.



 



 



 



 



 



 



[12] سورة الزمر، الآية 29.



 



 



 



 



 



 



[13] سورة النساء، الآية 48.



 



 



 



 



 



 



[14] عبدالمنعم العزي، تهذيب مدارج السالكين لابن قيم الجوزية، ص186.



 



 



 



 



 



 



[15] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، جـ1 ص68.



 



 



 



 



 



 



[16] سورة النحل، من الآية 36.



 



 



 



 



 



 



[17] الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، جـ14 ص103.



 



 



 



 



 



 



[18] السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، جـ2 ص59.



 



 



 



 



 



 



[19] سورة الأنبياء، الآية 25.



 



 



 



 



 



 



[20] السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، جـ2 ص59.



 



 



 



 



 



 



[21] انظر، الطبري، جامع البيان، جـ17 ص15.



 



 



 



 



 



 



[22] سورة الأعراف، الآية 59.



 



 



 



 



 



 



[23] سورة الأعراف، الآية 65.



 



 



 



 



 



 



[24] سورة الأعراف، الآية 73.



 



 



 



 



 



 



[25] سورة العنكبوت، الآيتان 16، 17.



 



 



 



 



 



 



[26] سورة هود، الآية 84.



 



 



 



 



 



 



[27] سورة المائدة، الآية 72.



 



 



 



 



 



 



[28] سورة الأنعام الآية 151.



 



 



 



 



 



 



[29] سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، ص63.



 



 



 



 



 



 



[30] انظر، محمد أحمد العدوي، دعوة الرسل، ص1.



 



 



 



 



 



 



[31] صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، جـ3 ص322 حديث رقم 1458.



 



 



 



 



 



 



[32] ابن حجر فتح الباري، جـ3 ص358.



 



 



 



 



 



 



[33] سورة الشعراء، الآية 105.



 



 



 



 



 



 



[34] سورة الشعراء، الآية 122.



 



 



 



 



 



 



[35] سورة الشعراء، الآية 141.



 



 



 



 



 



 



[36] سورة الشعراء، الآية 162.



 



 



 



 



 



 



[37] سورة الشعراء، الآية 176.



 



 



 



 



 



 



[38] سورة الأنعام، الآية 74.



 



 



 



 



 



 



[39] سورة الأنبياء، الآيتان 51، 52.



 



 



[40] سورة الصافات، الآيتان 85، 86.



 



 



 



 



 



 



[41] سورة إبراهيم، الآيتان 35، 36.



 



 



 



 



 



 



[42] انظر، ابن كثير (البداية والنهاية)، ج1 ص152، وقال قوم لوط عليه السلام: (فنزل بمدينة سدوم وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً).



 



 



 



 



 



 



[43] سورة الشعراء، الآيات 165 - 167.



 



 



 



 



 



 



[44] سورة الأعراف، الآيتان 80، 81.



 



 



 



 



 



 



[45] سورة العنكبوت، الآيتان 28، 29.



 



 



 



 



 



 



[46] سورة الأعراف، الآية 85.



 



 



 



 



 



 



[47] سورة هود، الآية 84.



 



 



 



 



 



 



[48] سورة المائدة، الآيتان 20، 21.



 



 



 



 



 



 



[49] سورة طه، الآية 47.



 



 



 



 



 



 



[50] انظر محمد العدوي (دعوة الرسل إلى الله) صفحة (ل) في المقدمة.



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 



 

0 شخص قام بالإعجاب


شاهد أيضاً